علاقة ترامب مع السعودية باتت موضع شك في قدرة الرئيس الأمريكي على اتخاذ رد الفعل المناسب تجاه الرياض إثر قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

ولأكثر من عقدين من الزمن، كان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب علاقة تجارية عميقة مع المملكة العربية السعودية، والتي أثارت بدورها مخاوف من تأثير المصالح الاقتصادية على القرارات السياسية للإدارة الأمريكية.

وأصبحت الصفقات المبرمة بين شركات ترامب والمستثمرين السعوديين محل انتقادات من الداخل الأمريكي لما لها من تأثير سلبي على سياسة البيت الأبيض وموقف ترامب من قضية جمال خاشقجي، ما دفع الرئيس الأمريكي إلى نفي وجود مصالح مالية له في المملكة.

وعلى النقيض، لم يفوت ترامب أي خطاب يلقيه إلا ويذكر فيه ارتباطه القوي بالمملكة لما تملكه من أموال وثروات، مؤكداً على حبه للسعوديين كونهم المستثمر الأهم في المباني التي يمتلكها بمبالغ تتراوح بين 40 إلى 50 مليون دولار.

وتستمر الشركات التي يمتلكها ترامب في عقد صفقات بملايين الدولارات خارج المملكة، ما يثير الشكوك حول العلاقات المالية بين تلك الشركات من جهة والمستثمرين السعوديين أو الحكومة السعودية نفسها من جهة أخرى.

ما أهم الصفقات التي تعزز علاقة ترامب مع السعودية؟

تاريخياً، قام السعوديون بإنفاق أموال طائلة على ممتلكات ترامب، ومنذ أن أصبح مرشحاً وتم انتخابه، استهدفوا الإنفاق في فنادقه.

وشكل عام 1985 بداية هذه الصفقات، حينما ضخ شفيق بن لادن 8500 دولار تأمين لامتلاك شقة في برج ترامب بنيويورك.

الوليد بن طلال يلعب دور المنقذ لترامب

ومطلع التسعينات، تحديداً في 1991 باع ترامب يخت “The Trump Princess” البالغ طوله 282 قدماً إلى الأمير الوليد بن طلال مقابل 20 مليون دولار، ويشكل هذا الرقم ثلث المبلغ الذي دفعه ترامب عند الشراء سابقاً، والسبب بقبول صفقة البيع بسعر أقل هو الوضع المالي السيء لترامب وسعيه للحصول على نقود تنقذه من الإفلاس.

ولعب الوليد بن طلال دور المنقذ مرة أخرى، حينما اشترى مع مستثمرين سنغافوريين فندق بلازا المتعثر بنيويوك عام 1995 بمبلغ 325 مليون دولار، في المقابل، باعوها بعد عقد من الزمن تقريباً مقابل 675 مليون دولار. وفي يوليو (تموز) الماضي، أعادت شركة المملكة القابضة التي يملكها الوليد بن طلال شراء “بلازا” إلى جانب شركة أشكنازي الواقعة في نيويورك.

مكاسب هائلة من استثمار حكومة المملكة في برج ترامب

استحوذت الحكومة السعودية في يونيو (حزيران) 2001 على الطابق 45 في “برج ترامب العالمي” مقابل 12 مليون دولار.

وفي 2008 اتخذت حكومة الرياض الطابق مقراً لبعثتها في الأمم المتحدة، ويضم الطابق خمس شقق تحتوي على عشرة غرف نوم و13 حماماً، ومع الرسوم المفروضة على مرافق امتلاك طابق كهذا، فهناك أموال طائلة تدخل جيب ترامب تقدر بنحو 85.8 ألف دولار سنوياً، وفي حال لم تتغير قيمة الرسوم المذكورة، فهذا يعني ان ترامب حصّل مبلغ 5.7 مليون دولار من الحكومة السعودية خلال ستة أعوام (2001 حتى 2016)، ما يثير شكوك فساد.

وعليه، عملت صاحبة شركة إنترناشيونال هوسينج، ريبيكا أوكامبو على مقاضاة ترامب بسبب تلك الرسوم، مبينة أن هدف الصفقة لم يكن جني الأموال فقط، وإنما جذب السوق السعودي الذي يعد من الأسواق الأكثر ربحاً في منطقة الشرق الأوسط.

ولم يكتفي ترامب بجذب الاستثمارات السعودية إلى ممتلكاته، وإنما حاول الوصول إلى قلب السوق السعودي، حيث قام بتسجيل ثماني شركات داخل المملكة مثل HC Jeddah Hotel و DT Jeddah Technical Services، لكن بعد انتخابه بوقت قصير تم إغلاق تلك الشركات.

إيرادات فنادق ترامب تقفز بفضل السعوديين

بعد انخفاض إيرادات فندق ترامب إنترناشونال، الواقع في مانهاتن نيويورك، لعاميين متتالين 2015 – 2017، قفزت بنسبة 13% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، والسبب هو زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مدينة نيويورك ضمن جولته الأمريكية في الفترة بين 26 إلى 30 مارس (آذار) الماضي.

ورغم تحركات ولي العهد وعدم جلوسه في الفندق إلا أن تواجد المرافقين فيه لمدة خمسة أيام كان كفيلاً لرفع إيرادات ترامب إنترناشونال خلال الربع الأول.

وفي سياق متصل، استطاع السعوديون رفع معدل إشغال فندق ترامب في شيكاغو، فبعد أن تراجعت حجوزات الفندق بنسبة 8% من عام 2015 إلى عام 2016، ساهم تدفق الزوار من المملكة العربية السعودية في تنشيط حركة الإشغال في الفندق خلال العام الماضي.

ومثلت جماعات الضغط التي اتخذتها الحكومة السعودية عوناً لها في الولايات المتحدة، عاملاً هاماً لتعزيز التعاون المالي بين ترامب والسعوديين، ومنذ توليه السلطة كانت الرياض زبوناً رئيسياً لفنادق ترامب بواشنطن ونيويورك، وبالتالي شكلت جماعات الضغط التابعة لها مورداً هاماً لأعمال الرئيس الأمريكي، وعلى سبيل المثال، ضخت MSL Group Americas نحو 27 ألف دولار في فندق ترامب إنترناشيونال بواشنطن خلال الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2016 ومارس (آذار) 2017، وذلك مقابل السكن وتقديم الطعام ورسوم انتظار السيارات.

هذه الصفقات وغيرها، كانت كفيلة بوضع إشارات استفهام حول أعمال الرئيس الأمريكي، حيث رفعت المدعية العامة بولاية نيويورك باربارا أندروود دعوى قضائية ضد مؤسسة ترامب الخيرية وطالبت بإغلاقها ودفع مبلغ 2.8 مليون دولار.

ووجهت الدعوة اتهاماً للمؤسسة بخدمة مصالح ترامب الشخصية وقيامها بنشاط سياسي غير شرعي، إذ ساعدت بشكل غير قانوني في دعم حملة الجمهوريين عبر إنفاق الأموال التي تم جمعها في حملة تبرعات في يناير (كانون الثاني) 2016.

وعلى صعيد آخر، لا بد للإشارة إلى العلاقة القوية بين محمد بن سلمان وجاريد كوشنر، صهر ترامب وكبير مستشاريه، حيث ناقشا مبادرات لإعادة تشكيل الشرق الأوسط منذ انتخاب الرئيس الأمريكي، فضلاً عن الشكوك حول الدور الذي لعبة كوشنر في حملة مكافحة الفساد التي قادها محمد بن سلمان في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، والتي طالت العديد من الأمراء والوزراء ورجال الأعمال.

ختاماً، علاقة ترامب مع السعودية يحكمها الطابع التجاري بشكل أساسي خصوصاً مع وجود صفقات بقيمة 400 مليار دولار أبرمتها الولايات المتحدة مع المملكة، منها مبيعات دفاعية للسعودية بقيمة 110 مليار دولار، وبالتالي تعد الرياض مركز مهم لتصدير السلاح الأمريكي لا يمكن خسارته كي لا تستفاد منه الصين أو روسيا.

وعليه، يبقى موقف ترامب تجاه قضية جمال خاشقجي متناقضاً ومذبذباً بين مصالحه الشخصية والضغوط الداخلية التي تطاليه بإجراءات صارمة تجاه الحكومة السعودية.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة