أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء السادس من ديسمبر، اعتراف الإدارة الأميركية بالقدس عاصمة لـ”دولة إسرائيل”، ضارباً عرض الحائط بكل ردود الأفعال الغاضبة والمنددة وحتى المهددة قُبيل خطابه، الذي أشارت التوقعات إلى أنّه سيتضمن هذا الاعتراف وقراراً رسمياً بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب، العاصمة المُعترف بها سابقاً لـ”دولة إسرائيل”، لتصبح رسمياً في مدينة القدس.

وكانت توقّعات مُضادة قد أشارت إلى أنّ ترامب سيتراجع عن مثل هذا الإعلان، لما يمكن أن يسببه من ردود فعل سلبية داخل وخارج فلسطين، وحتى على الصعيد العالمي، لحساسية موقع مدينة القدس بالنسبة للأديان السماوية الثلاثة، من حيث كونها موقع كنيسة القيامة المُقدسة بالنسبة إلى المؤمنين بالدين المسيحي، إلى جانب وجود المسجد الأقصى ثالث الحرمين بالنسبة للمسلمين، فضلاً عن وجود حائط المبكى اليهودي.

ويُعد قرار نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس ليس بالجديد، ذلك أنّه قد صدر بالفعل عام 1995، وكان الرؤساء الأميركيون المتعاقبون منذ ذلك الوقت، يوقعون بشكل متواصل على قرار تأجيل تطبيقه، للإبقاء على حيادية الولايات المتحدة ضمن عمليات التفاوض من أجل السلام في المنطقة.

ماهي ردود الأفعال العربية والدولية  حول قرار ترامب؟

على الجانب الفلسطيني وفور انتشار خبر قرار ترامب، أعلنت حركة حماس أنّ الرئيس الأميركي قد فتح أبواب الجحيم بقرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أما رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس فقد ألقى كلمة عقب خطاب ترامب بقليل، أكّد فيها على أنّ هذا الإعلان لن يغيّر من حقيقة القدس شيئاً وستبقى مدينة عربية إسلامية مسيحية دائماً.


فيما توالت ردود الأفعال السياسية والدبلوماسية بشكل سريع بعد خطاب ترامب، إذ خرج الآلاف في مظاهرة منددة بالقرار في تركيا وغزّة، وأعلن الاتحاد الأوروبي عن قلقه تجاه هذا القرار، وأكّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس على أنّ القدس من قضايا الوضع المباشر، التي لا يجب اتخاذ قرارات بشأنها سوى بالمحادثات المباشرة، فيما أجرى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز اتصالاً هاتفياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للتباحث حول القرار، وكانت بعض التوقعات تشير إلى أنّ القرار الأميركي يمكن أن يؤثر على الصفقات الاقتصادية التي أجراها ترامب خلال زيارته إلى الرياض بعد تسلمه الرئاسة، ومن بينها صفقات بيع أسلحة بمبالغ تصل إلى نحو 100 مليار دولار.

وكان أردوغان كان قد حذر من هذا القرار وهدد باحتمال قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في حال إعلانه، ودعا إلى عقد قمة استثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي يوم الأربعاء القادم، للتباحث حول الأمر، ليظهر مساء يوم الأربعاء 6 ديسمبر إلى جانب نظيره الأردني في مؤتمر صحفي مشترك من أنقرة، أكّدا فيه على أنّ القدس تخضع فقط لقرارات الأمم المتحدة والتي تقرّ بالحفاظ على وضعها القائم دون تغيير.

فيما أشار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من ناحيته على حساسية القدس التاريخية والدينية والسياسية لدى جميع الشعوب العربية والإسلامية، مُشدداً على أهمية السعي إلى تسوية نهائية وعادلة للقضية الفلسطينية.

وأما إمارة قطر التي حصلت على إبلاغ مسبق بقرار ترامب، فقد صرح وزير خارجيتها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، بأنّ هذا القرار بمثابة حكم بالإعدام تجاه جهود السلام في المنطقة، وأنّ القضية الفلسطينية تخصّ جميع الشعوب العربية والإسلامية دون استثناء.

وكان البابا فرنسيس قد دعا يوم الأربعاء إلى احترام “الوضع القائم” في مدينة القدس، واحترام رمزيتها بالنسبة للأديان الثلاث وضرورة الالتزام بالمواثيق الدولية والسعي نحو السلام بدل تأجيج المزيد من العنف والتوتر الذي يسود المشهد العالمي اليوم.

ماذا بعد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟

رغم التحذيرات التي تم توجيهها إلى ترامب من عدد كبير من الحُكام والدبلوماسيين حول العالم، إلا أنّه لم يتراجع عن قراره، مُعتبراً أنّه مُجرّد اعتراف بأمر واقع، مشيراً بشكل عرضي إلى أنّه سيدعم حل الدولتين في فلسطين المُحتلة، إذا ما اتفقت الأطراف المتصارعة على ذلك، مع التأكيد على أنّ قرار الاعتراف بمدينة القدس كعاصمة للدولة الإسرائيلية هو دفع لعمليات التفاوض من وجهة نظره. وكان ترامب قد تحدّث خلال الأيام السابقة مع عدد من الزعماء العرب ومنهم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وأبلغهم نيّة الولايات المتحدة نقل السفارة إلى القدس.

ولكن رغم كل الردود المناهضة للقرار قبل وبعد إعلانه، إلا أن ذلك لم يمنع وزير الخارجية الأميركي ريكس تليرسون من التصريح بأنّ الولايات المتحدة ستبدأ فوراً بإجراءات نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، فيما اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنّ هذا اليوم تاريخي، معرباً عن امتنان شعبه للرئيس الأميركي، واعداً بالحفاظ على الوضع القائم للمواقع المقدسة في المدينة.

ومن الجدير بالذكر أنّ الولايات المتحدة كانت قد أجرت صفقات بمليارات الدولارات مع المملكة السعودية مايو الماضي، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيليرسون أنّها ستساعد المملكة وإلى جانبها دول منطقة الخليج على “مواجهة التأثيرات الإيرانية”. وتم اعتبار هذه الصفقة “رابح مقابل رابح”، بعد أنّ كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قد أبدى عدم استعداده لبيع أسلحة مشابهة للسعودية في وقت سابق، لكن بحسب المراقبين تبقى مثل هذه الصفقات الكبرى مع الولايات المتحدة في موضع قلق في الوقت الحالي، بعد إعلان ترامب الأخير، رغم عدم وجود أي تلميحات رسمية لمثل هذا القلق.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة