اندلعت بين السعودية وكندا مؤخراً أزمة دبلوماسية أثرت على العلاقات بين البلدين، ويعود السبب فيها إلى مطالبة أوتاوا من الرياض الإفراج عن نشطاء المجتمع المدني ونشطاء حقوق المرأة  ممن قامت المملكة باعتقالهم، وهو ما اعتبرته السعودية تدخلاً في شؤونها الداخلية، ودفعها إلى استدعاء سفيرها من العاصمة الكندية والطلب أيضاً من السفير الكندي بالمغادرة خلال 24ساعة، وقد أثرت الأزمة أيضاً على تجميد التعاملات التجارية والاستثمارات بين البلدين.

وفي حديث لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير قال فيه إن كندا ارتكبت خطأً وعليها تصحيحه، وبرغم ردود الفعل السعودية ومافيها من إجراءات اقتصادية صارمة إلى أن ذلك لم يؤثر على الجانب الكندي أو يدفعه للتراجع عن موقفه، بل إن رئيس وزرائها جاستين ترودو قد أعلن أن بلاده ستستمر فيما وصفته الدفاع عن قضايا حقوق الإنسان حول العالم، و هو المجال الذي كثيراً ما تنتقد فيه السعودية من قبل المنظمات الدولية والدول الغربية، وتحاول السعودية من خلال هذه الأزمة مع كندا أن توقف هذا النوع  من الانتقاد الموجه إليها فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ولكن هل كانت هذه الرسالة لصالح البلدين أم أنها أثرت على العلاقات الاقتصادية بينهما.

كيف أثرت الأزمة بين السعودية وكندا على العلاقات التجارية بين البلدين؟

تسببت الأزمة بين السعودية وكندا إلى حدوث أزمات اقتصادية بين البلدين، حيث أعلنت وزارة الخارجية السعودية تجميد كافة المعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة بين السعودية وكندا مع احتفاظ الأولى بحقها في اتخاذ اجراءات أخرى.
كما أعلنت شركة الخطوط الجوية السعودية وقف رحلاتها من وإلى مدينة تورنتو، في الوقت نفسه أعلنت وزارة التعليم السعودية إيقاف برامج البعثات والتدريب والزمالة في كندا، مع إعداد خطة لنقل جميع الملتحقين بهذه البرامج مع أسرهم إلى دول أخرى.

العلاقات السعودية الكندية وإيقاف برامج العلاج في كندا
من القطاعات الأخرى التي تأثرت بالعلاقات السعودية الكندية الأخيرة هو البرنامج العلاجي بين البلدين، حيث نقلت وكالة الأنباء السعودية عن الملحق الصحي السعودي في الولايات المتحدة وكندا أن الملحقية أوقفت برامج علاج المرضى السعوديين في كندا وتعمل على نقلهم إلى مستشفيات خارجها،  وبحسب الوكالة فإن الملحقية تسعى لضمان سلامة المرضى السعوديين أثناء نقلهم مع مرافقيهم.
وبحسب صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية فإن المملكة العربية السعودية أصدرت توجيهات لمديري محافظها الاستثمارية في الخارج لبدء بيع ما بحوزتهم من الأصول الكندية، وهو ما يشمل الأسهم والسندات والنقد بغض النظر عما سيكلفه قرار بيعها، وبحسب المصادر فإن الأصول الكندية تمثل نسبةً بسيطة من إجمالي الاستثمارات السعودية في الأسواق العامية والبالغة مئة مليار دولار، لكن بيعها وجه رسالة قوية وبلغت قيمة الأصول الأجنبية لمؤسسة النقد العربي السعودي 506 مليارات دولار بنهاية تموز يوليو الماضي.

الرد السعودي لا يحتمل المهادنة

يعد الرد السعودي من الأزمة بين السعودية وكندا، التي تمتلك اقتصادًا متراجعًا، موقفاً حاسماً ورافضاً لما اعتبرته تصرفًا سلبياً ومستغرباً من كندا، حيث أكدت وزارة الخارجية السعودية في بيان أصدرته أن الادعاء الكندي غير صحيح جملةً وتفصيلاً، وأنه غير مبني على أي معلومات أو وقائع صحيحة، وأن إيقاف النشطاء تم من قبل الجهات المختصة وبسبب ارتكابهم لجرائم تستوجب الإيقاف ووفقاً للإجراءات النظامية المتبعة التي تكفل لهم حقوقهم المعتبرة شرعاً ونظاماً كما وفرت لهم جميع الضمانات خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة.

وأضافت الخارجية أن الموقف الكندي يعد مخالفاً لأبسط الأعراف الدولية وجميع المواثيق التي تحكم العلاقات بين الدول، ويعد تجاوزاً كبيراً وغير مقبول على أنظمة المملكة وإجراءاتها المتبعة على السلطة القضائية في المملكة.

الموقف الكندي من الأزمة بين السعودية وكندا

وبالنسبة للجانب الكندي من الأزمة الأخيرة مع السعودية فقد صرح محللون كنديون بأن كندا لن تسعى للتصعيد وتحاول حصر الخلاف في قضايا حقوق الإنسان، وأكدت وزيرة الخارجية الكندية كريستينا فريلاند أن بلادها ستواصل الدفاع عن حقوق الإنسان خاصةً حقوق المرأة وحرية التعبير، وأن الدفاع عن الحقوق الأساسية واجب على كل فرد في المجتمع الإنساني، معتبرةً أن مافعلته كندا أمر عظيم وعلى جميع دول العالم الحر أن تحذو حذوها، كما أن كندا تسعى لاستيضاح تصريحات سعودية عن تجميد التعاملات التجارية الجديدة، كما أنها تسعى لوساطة دول أخرى من أجل حل الخلاف مع السعودية ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا التي خرجت من الاتحاد الأوروبي، وبرغم أن هذه الدول لم تنخرط مباشرة في الأزمة الدبلوماسية بين السعودية وكندا إلا أنها أثارت قضية الاعتقالات المتصاعدة في السعودية والتي تستهدف ناشطين حقوقيين وسياسيين ودعاة.

العلاقات السعودية مع الدول الأخرى

لا تعد الأزمة بين السعودية وكندا بشأن حقوق الإنسان هي الأزمة الوحيدة حيث حصل ذلك من قبل مع السويد وألمانيا، حيث شهدت العلاقات السعودية الألمانية توتراً بسبب تصريحات وزير الخارجية الألماني السابق زيغمارغابرييل اتهم فيها السعودية  بانتهاج سياسة المغامرة في منطقة الشرق الأوسط.

يذكر أن العلاقات السعودية الكندية لها تاريخ طويل فهي تشمل العديد من المجالات منها مايتعلق بمكافحة الإرهاب وشؤون اللاجئين، كما تحتضن كندا نحو 15000 طالب سعودي معظمهم من الأطباء والاختصاصيين، بالإضافة إلى أن كندا تعد حليفةً استراتيجية للسعودية، وأكبر شريك تجاري لها، ولكن هذه العلاقات باتت في الآونة الأخيرة تسير نحو تصعيد غير مسبوق ومجهول النهاية حيث تسببت الأزمة الأخيرة بين البلدين إلى تخفيض السعودية لعلاقاتها مع كندا ودعمتها عدة دول عربية منها اليمن والبحرين والإمارات العربية المتحدة، وأمين مجلس التعاون الخليجي، في حين أن قطر نأت بنفسها وأعلنت عن رغبتها بالحفاظ على العلاقات الودية مع كندا، أما في الجانب الكندي فقد أصرأعضاء في البرلمان الأوروبي عن دعمهم لكندا، وهو ما يجعل الأمر غير معروف النهاية حتى الآن.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة