تشهد العديد من المدن الإيرانية منها العاصمة طهران ومدينة مشهد ثاني أكبر المدن الإيرانية، في الأيام القليلة الماضية خروج مظاهرات ولاحتجاجات الشعبية في إيران ينظمّها المئات من الإيرانيين، ردّاً على سوء الوضع المعيشي في البلاد وظروف البطالة وارتفاع الأسعار.

ولم تقتصر دوافع المحتجين على هذه الأسباب بل أخذت الاحتجاجات تشهد تصعيداً ينتقد سياسة الحكومة والرئيس الإيراني حسن روحاني ومرشد الثورة آية الله علي خامنئي، كما شهدت أعمال عنف منها الهجوم على بعض المباني الحكومية في طهران، والاحتجاج ضد السلطات للمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وإنهاء قمع الشرطة، فضلاً عن أعمال الشغب وحرق السيارات وإطلاق النار على المتظاهرين، وتسجيل ارتفاع في أعداد القتلى بين صفوف المحتجين وصل إلى حوالي 12 شخصاً بحسب البيانات الرسمية.

وفي ردٍ للحكومة الإيرانية على هذه الاحتجاجات هدّد الحرس الثوري الإيراني بالقبض بيدٍ من حديد على جميع المتظاهرين المناهضين للحكومة، وذلك بعد اتهام الحكومة لخصومها بالوقوف وراء الاحتجاجات، كما اعتبر خامنئي أن الولايات المتحدة هي السبب وراء اندلاع هذه الاحتجاجات في البلاد، وبرغم تهديد الحكومة لأي تجمعات غير قانونية، إلا أن الاحتجاجات لا تزال تتواصل وتشهد حالةً من التصعيد، يجعلها تعد واحدةً من أكبر الاحتجاجات التي تشهدها إيران منذ مظاهرات 2009 التي شارك فيها ملايين المعارضين احتجاجاً على فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية.

إلى أين تتجه الاحتجاجات الشعبية في إيران وما المصير المتوقع لها؟

لا يزال المستقبل المرتقب للاحتجاجات الإيرانية الأخيرة غير واضح أمام متابعي هذا الحدث، إلا تطوراتها منذ اندلاعها من أيام قليلة وحتى اليوم قد لا تشير إلى اتجاهها نحو التهدئة، فبعد أن كانت بدايتها بسبب الأوضاع المعيشية والفساد في إيران أصبحت ذو بعدٍ سياسي يرمي إلى تغيير سياسة الحكومة ككل والإطاحة بنظام الملالي، والعودة إلى النظام الملكي، أي حكم الشاه في إيران البلد النووي الجديد، وذلك بسبب ما يشهده الواقع الإيراني من استياء جرّاء سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع متوسط الفقر بنسبة 15% خلال السنوات العشر الأخيرة، وكذلك ارتفاع مستوى البطالة نحو 12% كما أن انشغال الحكومة بالقضايا الخارجية على حساب القضايا الداخلية التي تهم البلاد.


وجعل ذلك المتظاهرين يستاءون ويهتفون بعبارات احتجاجية مثل “غادروا سوريا وفكروا فينا”و”لا غزّة ولا لبنان روحي فداء إيران” وغيرها من الهتافات التي تشير إلى استياء الإيرانيين وعدم اكتراثهم لتهديدات الحكومة في ضرورة فضّ هذه التجمعات، وهو ما يبث في الأوساط الحكومية القلق من شأن تحول هذه الاحتجاجات إلى انتفاضة تشبه الثورة الخضراء عام 2009.

تشعر الحكومة بمخاوف من التعامل الأمني مع التظاهرات لأن أي عنف من قبلها قد يزيد من حالة السخط التي يثيرها الشعب مؤخراً، وفي جانب آخر قد يشير إلى تطور هذه الاحتجاجات واتساعها.

من جهة ثانية، أعلن ممثلو المنظمات والشخصيات الحقوقية الدولية والقوى الثورية للشعوب غير الفارسية في اجتماع موسع لهم عقدوه في لندن عن تأسيس الحملة العالمية لمناصرة ثورة الشعوب غير الفارسية في إيران، ودعت فيه جماهيرها إلى الاستمرار بالتصعيد وزيادة الاحتجاجات في جميع المدن، كما دعت شبابها في الداخل إلى الانضمام الفوري في الفصائل الوطنية ومؤسسات المجتمع المدني وإلى تنظيم أنفسهم للانضمام في المظاهرات التي تقام في مدن الشعوب غير الفارسية. وهذا ما يشير إلى توجه الوضع الأمني نحو مزيد من التصعيد خاصة أن الحكومة لا تزال في حال من الارتباك في الرد على هذه التطورات الأمنية التي تشهدها البلاد.


العالم يرقب الاحتجاجات الإيرانية

لم يكن موقف الحكومة الأمريكي، التي تخوض صراعًا على الشرق الأوسط، حيال مستجدات الوضع الإيراني مطمئناً بالنسبة للحكومة الإيرانية حيث أخذت التصريحات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الروحاني شكل حربٍ من نوعٍ آخر، فقد أعرب الأول عن موقفه بقوله إن زمن التغيير في إيران قد آن أوانه، وأن ما تشهده البلاد من احتجاجات ما هو إلا رفض لفساد النظام الحاكم في طهران وغضب على إهدار ثروات البلاد على تمويل الإرهاب في الخارج، كما طالب الحكومة الإيرانية باحترام حقوق الشعب الإيراني وخاصة في حقه بالتعبير عن نفسه، وأصدرت الخارجية الأمريكية بياناً أدانت فيه اعتقال المتظاهرين الإيرانيين عقب الاحتجاجات، وأكدت أنها تتابع تقارير عن الاحتجاجات السلمية للمواطنين الإيرانيين في جميع أنحاء البلاد، ودعت الحكومة جميع البلدان إلى دعم الشعب الإيراني علناً ومطالبه بالحقوق الأساسية ومنها إنهاء الفساد في إيران.
ووصفت هيدز نويرت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية إيران بأنها دولة مستنزفة اقتصادياً وتقوم صادراتها الرئيسة على العنف وسفك الدماء والفوضى.

وفي جانب آخر دعت ممثلة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في بريطانيا دولت نوروزي، المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات كبيرة على النظام الإيراني وعدم إقامة علاقات معه بسبب لجوئه إلى القمع في مواجهة الاحتجاجات الأخيرة، ووصفت النظام الحالي بأنه أسوء ديكتاتورية دينية في العصر الحديث وقد ارتكب من خلال قواته جرائم فظيعة ضد الإنسانية، واعتبرت أن الثورة تكبر لأن معظم الإيرانيين لا يزالون ينضمون إليها.

يذكر إن إحدى المعارضات الإيرانيات وهي كاميليا انتخاب قد نشرت عبر شبكة سي إن إن الأمريكية مقالاً تحدثت فيه عن حنين الإيرانيين إلى الفترة التي كانت فيها بلادهم تنعم بالحداثة والراحة والنجاح وهو ما تفتقده اليوم، ما جعلها تقوم بهذه الاحتجاجات الأخيرة رغبة منها بعودة الأمير رضا بهلوي ابن شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي والذي أطيح به في ثورة عام 1979، حيث يدعو بهلوي إلى ملكية برلمانية بدلاً من ولاية نظام الفقيه وإلى احترام حقوق الإنسان وتحديث الاقتصاد المملوك للدولة، كما أعلن الأمير في حوار له العام الماضي مع وكالة الأسوشيتدبرس بأن نظام الملالي لا يمكن إصلاحه، لذلك يحتاج الأمر إلى تغيير، وقد تنبأ بالثورة الإيرانية القامة حالياً في البلاد.

ولكن هل ستكون هذه الثورة هي التغيير المرجو للإيرانيين وهل ستغير نظام الملالي أم أنها سيقمعها النظام الشيعي المتشدد والمتهم بالإرهاب والتدخل في شؤون الجيران، كما فعل عام 2009؟ هذا ما ستجيب عنه تطورات الأحداث الراهنة؟

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة