بعد أشهر قليلة على بداية الثورة السورية التي تحولت إلى حرباً متعددة الأطراف، بدأت مسيرات موالية للنظام السوري بالخروج بشكل متواتر في ساحات عديدة من دمشق ومحافظات سورية أخرى، بإيعاز وتنظيم من الدولة السورية نفسها، ولأهداف عديدة أهمها: شكر روسيا وإيران، وحينها الصين الشيوعية. هذا الشكر الذي تحوّل مع السنوات إلى تهكّم فسخرية حتى من الموالين أنفسهم الذين حملوا تلك الهتافات يومها، بعد أن تكشّف المشروع الإيراني الروسي العسكري الاقتصادي بشكل خاص وللجميع، ولكن ربما بعد فوات الأوان وانشغال الجميع بالصراع المسلّح بين القوى المعارضة متعددة الجبهات وقوى النظام السوري المدعومة بشكل ضخم من الحليفين الروسي والإيراني وقوات حزب الله اللبناني.

وقد ظهرت هذه المشاريع بصورة فاضحة بشكل خاص خلال السنتين الأخيرتين، رغم أنّ إعلام القوى الحليفة للنظام السوري إلى جانب إعلامه الرسمي، قد حاولوا جميعاً وبشكل جاهد تزيين أمر تقاسم الكعكة السورية، على أن يظهر وكأنه تمهيد لدفن حلم الثورة السورية وتوديع الحرب وبدء إشراقة مزيفة لعهد إعمار جديد للبلاد، بدعم أموال الحليفين الروسي والإيراني. لكن الأمر لا يبدو ناجحاً، بشكل خاص وأنه قد ترافق مع تصريحات فاضحة لمسؤولين ذوي مستويات عالية من الجانبين الروسي والإيراني، أكدت على أنّ مشاريع الإعمار التي ستقودها البلدان الحليفة، ما هي إلا استرجاع مضاعف للديون التي قدمها البلدان لدعم النظام السوري معنوياً وعسكرياً ومالياً خلال السنوات السبع الماضية!

هل سيؤدي حلم إعادة إعمار سورية لحرب باردة روسية إيرانية؟

تبدو كل من روسيا وإيران خلال السنوات الأخيرة، مركّزتان على أهداف واضحة، هي وضع قدم ثابتة على الأرض السورية لاستثمار طويل يُرجع لكل منهما كل دولار تم دفعه لدعم النظام السوري لترجيح كفته في الكثير من المعارك وتقديم الدعم المعنوي والدبلوماسي في العديد من المحافل الدولية والإعلامية.

إذ توجّهت روسيا الاتحادية بدورها إلى الساحل السوري، الذي أصبح مستقراً للكثير من العناصر العسكرية الروسية بشكل خاص بعد أغسطس 2015، الذي شهد توقيع اتفاق ذي أثر حر ودائم، لإعطاء القوات الروسية الحق في استخدام قاعدة حميميم العسكرية السورية، كقاعدة عسكرية روسية وبدون أي مقابل. الأمر الذي راق للحليف الروسي، ليقرر لاحقاً عزمه توسيع القاعدة لتصبح قاعدة جوية عسكرية روسية متكاملة.

هذا كان أبرز ما حصدته روسيا مبدئياً على الصعيد العسكري، أما على الصعيد الاقتصادي، فقد حصلت روسيا على صلاحيات التنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري، فضلاً عن مشاريع أخرى في مجالات الغاز، الكهرباء، القمح والمطاحن والعلف، وكل ذلك كمحاولة لتعويض الحليف الروسي عن المبالغ الضخمة التي دفعتها وما تزال تستثمرها في الحرب السورية، والتي تُقدّر بحوالي ملياري دولار سنوياً، والتي لن يستطيع النظام السوري بأي حال من الأحوال أن يردّها في أي وقت قريب، مع التضخم الاقتصادي الذي يتفاقم يوماً بعد يوم مترافقاَ مع إنهاك شديد وعجز في الميزانية المالية للنظام، الأمر الذي تسبب بهبوط حوالي 90% من السوريين إلى مستويات ما تحت فقط الفقر.

أما إيران، الجمهورية الإسلامية المتعبة، والتي أكّدت أولياً تواجدها الديني في سوريا، عبر المظاهر الاجتماعية التي ترافقت مع نقل المقاتلين الإيرانيين وعائلاتهم إلى سوريا، وبشكل خاص في أحياء دمشق القديمة، وأحياء منطقة السيدة زينب المعروفة في دمشق.

إلا أنّ هذا التركيز على المشروع الديني الإيراني، لم يعنِ بحال من الأحوال أن تنسى إيران أهمية مشروعها الاقتصادي والعسكري، والذي تجلّى في مشاركة واسعة لقوات الحرس الثوري الإيراني في المعارك السورية مع القوى المعارضة المسلحة على مساحات واسعة من الأراضي السورية، إذ صرّح مستشار المرشد الإيراني للشؤون الاستراتيجية رحيم صفوي قبل أسابيع قليلة، بضرورة توقيع معاهدات اقتصادية مع الحكومة السورية على غرار التي وقعتها روسيا، لاستعادة وتعويض “تضحيات إيران لمكافحة الإرهاب في سوريا”، خلال السنوات السابقة.

المشروع الإيراني الديني في سوريا

بالنسبة للكثير من السوريين، لا يتجلّى خطر المشروع الإيراني الروسي في سوريا على الصعيدين العسكري والاقتصادي فقط، بل وعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي والديني، وذلك بشكل خاص على الجانب الإيراني الذي سعى منذ بداية الثورة السورية، إلى ترسيخ المظاهر الشيعية في البلاد، من خلال منح الجالية الدينية الإيرانية من مقاتلين وغيرهم، حق إشهار مضاعف للمظاهر الدينية الشيعية المعروفة بشكلها العنيف على صعيد العالم.

وكانت المظاهر الدينية الشيعية في البلاد، قد فجّرت أزمة واسعة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بشكل خاص مع بداية شهر نوفمبر الماضي، عندما انتشرت عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لعدد من الحجّاج الإيرانيين الشيعة وهم يمارسون طقوس الجلد واللطم الشهيرة في وسط حيّ الحميدية الأثري في وسط دمشق. الأمر الذي سبب غضباً واسعاً بين الدمشقيين والسوريين بشكل عام، رداً على هذا الانتهاك السافر لحرمة الحي الدمشقي العريق.

لكن الأمر لم يتوقف على هذه المظاهر، بل ذهب إلى ما هو أبعد، فقد أعلنت السفارة الإيرانية في دمشق أخيراً، عن إنشاء وتمويل كلية إيرانية للمذاهب الإسلامية في دمشق. الأمر الذي اعتبره مراقبون ترسيخاً لفكر ثورة الخميني في سوريا، ضمن إطار مشروع إيران الديني في المنطقة، وذلك بعد أن افتتحت كلية مشابهة باسم “المصطفى الأمين” في العراق خلال وقت سابق.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة