ربما لم تكن مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في التجمعات الانتخابية التحضيرية لانتخابات 2020 القادمة في الولايات المتحدة الأمريكية كافية لترشحه أو فوزه بولاية رئاسية جديدة، فبالرغم من تأكيده على أنه سيترشح “مئة بالمئة” وإلقائه للعديد من الخطب الحماسية، مع سخريته من خصومه أمام الجموع الحاشدة ومهاجمتها بقوة، ودخوله أيضاً في أربعة تجمعات انتخابية تحت شعار “لنعد إلى أمريكا عظمتها”، إلا أن الوضع الراهن لا يشير إلى ذلك ولا ينبئ بنتجة حتمية لصالح ترمب الذي لم يتردد سابقاً في إسباغ الألقاب الساخرة على خصومه ومنها وصف بيرني ساندرز بالمجنون، وإليزابيث وارن بـ بوكاهانتس، مع إصراره على موقف الواثق والضامن للانتخابات.

فهذه المشاهد من الانتخابات الرئاسية الأمريكية تعد جزءاً من مخاض أكبر تعيشه البلاد في الآونة الحالية، وهو ما يجعل التنبؤ بما سيحصل صعباً للغاية، لاحتمال بروز شخصيات جديدة تغيّر المشهد تماماً، فضلاً عن تصاعد وتيرة التطورات المتعلقة بالتحقيقات التي تستهدف ترمب والدائرة القريبة منه.

ماهي التحقيقات التي تدور في كواليس البيت الأبيض؟

تتصاعد وتيرة التطورات المتعلقة بالتحقيقات التي تستهدف الرئيس الأمريكي والدائرة القريبة منه، فبينما تنتظر واشنطن تقرير المحقق الخاص روبرت مولر المتعلق بالتدخل الروسي المحتمل بالانتخابات الرئاسية يفتح مجلس النواب تحقيقات في أعمال ترامب وعائلته قبل وصوله للحكم.

حيث تهدف التحقيقات الجارية إلى الكشف عن انتهاكات محتملة لقوانين تمويل الحملات الانتخابية، وهل كان ترمب على علم بالتدخل الروسي في الانتخابات، وهل تعمد أو عائلته وكبار مساعديه عرقلة العدالة أو التورط في قضايا فساد مالي أو تهريب ضريبي.

وتقوم لجان مجلس النواب ذات الأغلبية الديمقراطية بتنفيذ ما تعهد رؤساء لجان عدة بالتحقيق فيه حال سيطرتهم على المجلس، كما أعلن رئيس لجنة الاستخبارات آدم شيف تعيينه للخبيرة في الشؤون الروسية ديانا بيلبينكو لتنضم لفرق التحقيق الخاصة بعلاقة ترمب المفترضة بروسيا، ومن الملاحظ أن المجلس يفحص بجدية كل ما قد يدين ترمب، حيث ستحقق لجنة الاستخبارات في تعامل ترمب مع مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وما إذا كانت قراراته تخدم مصالحه ومصالح عائلته.

President Donald Trump points and shouts

فرق التحقيق

ومن الشخصيات الأخرى التي انضمت لفرق التحقيق المحامي السابق بمحكمة جنوب مانهاتن بولاية نيويورك دانيال غولدمان، وكان رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب جيرولد نادلر قد طلب من 81 شخصاً وكياناً مرتبطاً بترمب تقديم وثائق وبيانات مختلفة خلال أسبوعين، معلناً في بيان له أن ترمب قد أفلت من المحاسبة خلال السنوات الماضية، بسبب هجماته شبه اليومية على القوانين والأعراف القانونية والأخلاقية والدستورية الأساسية، معتبراً أن التحقيق في هذه التهديدات لحكم القانون هو من واجب الكونغرس.

ومن جانبه ندد الرئيس ترمب بهذه الخطوة ووصفها “بالاصطياد بالماء العكر”، واصفاً عبر تغريدة له على تويتر بأن تحقيق اللجنة القضائية هو “أكبر التجاوزات في تاريخ البلاد”.

الديمقراطيون يلاحقون ترمب

يقوم الأعضاء الديمقراطيون المنافسون للجمهوريين في الانتخابات الرئاسية بالضغط على لجنة الاجراءات والمراجعة لكي يبدأ رئيسها ريتشارد نيل بطلب إقرارات ضرائب الرئيس من مصلحة الضرائب، للكشف عما إذا كان هناك أي تضارب بين المصالح المالية لترمب وعائلته والقرارات التي اتخذها منذ وصوله إلى الحكم.

 الرئيس لا يحاكم

وبالعودة إلى سجلات القانون الأمريكي نجد أنه لا يحق لوزراة العدل أو أي جهات أخرى توجيه اتهامات جنائية للرئيس أثناء فترة حكمه، فهذا ما أوضحه الخبير القانوني بجامعة هارفارد آلان دورشفيتس والكثير من الخبراء القانونيين، ويستثنى من ذلك شيء واحد هو قيام الكونغرس بإقالة الرئيس حال ثبوت ارتكابه لمخالفات قانونية كبيرة.

أما البدء بعملية إقالة الرئيس فهي من سلطة مجلس النواب وحده، في حين أن مجلس الشيوخ يقوم بمهام أكبر حيث يعمل كهيئة محلفين وقاضياً في الوقت ذاته، ويكون له القرار النهائي في الموافقة أو رفض إقالة الرئيس.

إلا أن إقالة الرئيس ليست بالأمر بالميسر حيث أن هناك سلسلة من الاجراءات الطويلة التي تبدأ من مجلس النواب الذي يتمتع فيه الديمقراطيون بأغلبية 235 عضواً مقابل 199 للجمهوريين، ثم تتطلب موافقة مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية المتمثلة في 53 عضوا مقابل 47 للديمقراطيين.

حيث تتطلب إقالة الرئيس أغلبية الثلثين، وهو ما يصعب تصور حدوثه، إلا في حال حدوث مفاجأة يكون مصدرها تقرير مولر الذي قد يحمل الكثير من الدلائل على انتهاكات قانونية يقوم بها فريق ترمب الانتخابي أو حتى مخالفات يقوم بها ترمب بنفسه.

مولر وإدانة ترمب

بحسب توقعات تعود لخبيرة قانونية لم تفصح عن هويتها، قالت إن من المتوقع إدانة ترمب بإعاقة العدالة على خلفية موقفه من التحقيقات المتعلقة بالتدخل الروسي وإقالة مدير أف بي أي السابق جيمس كومي، إلا أن تبعات ذلك ستكون سياسية فلن يحاول مجلس الشيوخ إقالة الرئيس.

إلا أنها لم تستبعد تغير المواقف في حال ظهور دلائل واضحة على طلب ترمب لمساعدة روسية تضر بمنافسته في الانتخابات هيلاري كلينتون، وعلى صعيد آخر أكد السيناتور الجمهوري ماركوروبيو أنه لا أحد فوق القانون والمحاسبة، فالمساءلة ستكون من نصيب أي مخالف للقانون ولو كان مسؤولاً، كما أن السوابق التاريخية تشير إلى أن مجلس الشيوخ في حال تأكده من تواطؤ ترمب مع روسيا فستوجه له اتهامات بالتواطؤ مع قوة معادية ومن المحتمل أن يضطر حينئذ للتقدم باستقالته.

هذا ما ستكشفه الأيام القادمة ونتائج التحقيقات التي تجري في كواليس التحضير للانتخابات الأمريكية القادمة والتي من المقرر إجراؤها في الثالث من نوفمبر من عام 2020، لتكون بذلك الانتخابات التاسعة والخمسين في تاريخ البلاد.

تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية تجري كل أربع سنوات، ويختار الناخبون ناخبين رئاسيين يقومون بدورهم بانتخاب رئيس جديد ونائب رئيس جديد من خلال الدائرة الانتخابية.

ويسعى الرئيس الحالي دونالد ترمب المنتخب عام 2016 إلى إعادة انتخابه لفترة ولاية ثانية برغم جميع القضايا المثارة حوله، فضلاً عن رفض الشعب الأمريكي لسياسته في البلاد، فهو الرئيس الأقل شعبية بين جميع الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة حيث نسبة 36 % فقط من الأمريكيين مسرورون من أدائه حتى الآن.

فهل ستكون هذه الشعبية الضئيلة سبباً كافياً لعزل ترمب عن ولاية جديدة، أم هل ستكون التحقيقات الجارية من صالح الرافضين له أم لصالحه. هذا ما سنعرفه في صبيحة يوم 20 يناير 2021 وهو الموعد المقرر لإعلان الفائز في الانتخابات الرئاسية القادمة

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة