يبدو أن فريق العمل في البنك الدولي سيشهد تغيرًا جديدًا قد يكون له أثر في تثبيت طريقة وآلية العمل، مع انضمام الخبير بول رومر إلى الفريق الاقتصادي بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام المتخصصة. وعلى الرغم من أن حالة الصمت الرسمي قد سيطرت على المعنين بالأمر، ومن ثم امتنع الناطق الرسمي باسم المؤسسة المالية العريقة عن الإداء بأي تصريح في هذا الصدد سواء بالنفي أو التأكيد.

إلا أن كثرة التغطيات الإخبارية والتقارير المسربة جعلت من اشاعة التعين المقبل لهذه الشخصية “الثورية” أمرًا واقعًا، خاصة بعد ان كتب فلورنسا كونديليس الخبير الاقتصادي في البنك الدولي –الزميل المستقبلي لرومر – على تويتر ” أنا متحمس جدًا للترحيب بنائب الرئيس الجديد في الخريف المقبل”.

إذا فالشائعات صحيحة، حيث يأتي تعين بول رومر في الوقت الذي يكافح فيه البنك الدولي لتجنب الاثار السلبية المتوقعة لتباطؤ النمو العالمي وتراجع التجارة الدولية، كما التحديات المرتبطة بتحفيز التنمية في البلدان الفقيرة.

ومع انتظار الجميع لقرار التعيين النهائي والإعلان الرسمي، والذي من المفترض أن يتخذ بعد عرض الترشيح على مجلس إدارة البنك في نهاية الأسبوع، بدأ الترقب يسود الأسواق مترافقا مع تحليلات حول انعكاس ذلك على خطط وبرامج البنك الدولي.

سيكون منصب بول رومر الجديد خلفًا للخبير الهندي الشهير كوشيك باسو الذي يعمل بصفة كبير الاقتصاديين حاليًا ومن المؤكد وصوله الى سن التقاعد في سبتمبر/ أيلول المقبل.

خبير اقتصادي ثوري

ولد بول ميشيل رومر عام1955، وهو نجل حاكم ولاية كولورادو الأمريكية، حصل على إجازة في الرياضيات ثم درجة الدكتوراه في الاقتصاد في جامعة شيكاغو قبل أن يعمل مدرسًا للاقتصاد في جامعة نيويورك حتى اليوم، ويعتبر رومر أحد أهم المدافعين عن فكرة القوة الاقتصادية لرأس المال البشري وباحث هام في مجال التمدن (التحضر) والمدن الصناعية.

وترتكز أفكار الرجل البالغ من العمر 60 عامًا حول القدرة على تحفيز النمو وتحسين الدخل عن طريق الاستثمار في الموارد البشرية. هي نفس الأفكار الثورية التي عمل بها سلفه الاقتصادي كوشيك باسو الذي يشغل منصب نائب الرئيس الأول ورئيس الشؤون الاقتصادية في البنك الدولي، وبالتالي فإن مهمة رومر تكمن في المحافظة على ارث الرجل السابق وتعزيز مهمة البنك الدولي باعتباره مجموعة اقتصادية رائدة في نطاق التنمية الدولية.

ظهرت مجموعة البنك الدولي كجزء من منظومة الأمم المتحدة وينظر لها كواحدة من أهم إنجازات هذه المؤسسة الدولية. يتخصص البنك في تقديم قروضا للبلدان النامية عبر برامج رأس المال. ويضم إلى جانبه مؤسستين هما البنك الدولي للإنشاء والتعمير، والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA).

تنص الاتفاقية الرسمية لإنشاء البنك الدولي على أن هدفه الرئيسي يكمن في الحد من الفقر. ويستخدم استراتيجية ترتبط بدعم الدراسات الاقتصادية العالمية بطريقة تسمح للجميع الاسترشاد بقراراته والالتزام بها، سعيًا منه على تشجيع الاستثمار الأجنبي والتجارة الدولية وتسهيل الاستثمار.

وتقول آخر الدراسات الصادرة عنه أن ضعف النمو الذي يشهده العالم أعاد الأمور إلى سابق عهدها، فاتسعت الهوة ما بين الدول المتقدمة وتلك النامية، وفقًا لذلك فمن المتوقع أن تستغرق الأسواق الناشئة ما يقارب 30 وحتى 70 عامًا حتى تستطيع تلك الأسواق اللحاق بالركب من جديد والوصول إلى إجمالي الناتج المحل الأمريكي للفرد الواحد على سبيل المثال.

هنا يبرز بشكل مباشر السبب الرئيسي لترشيح بول رومر لهذا المنصب، فالرجل فضلًا عن كونه نجم حقق الكثير في عالم الاقتصاد خاصة في القطاع الخاص، فهو من دعاة “نظرية النمو الداخلي” أيضًا، تلك النظرية التي ترى أن الاستثمار في رأس المال البشري والأفكار والتكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.

وعليه نستنتج أن البنك يسعى لاستمرارية النهج المتبع في معالجة المشكلة خاصة إذا ما تذكرنا الجهود التي يبذلها جيم يونغ كيم رئيس البنك الدولي لتحويل هذه المؤسسة إلى “بنك المعرفة” بالنسبة للدول الفقيرة بشكل يساعدها على الاستفادة منه في تحفيز النمو المحلي.

ماهي نظرية “النمو الداخلي” وكيف تعمل؟

أثار بول رومر سؤال ضخمًا عندما كتب عبر مدونته على الانترنت أواخر العام الماضي، ما الذي يجعل الأمم غنية؟ ولماذا فشلت العديد من البلدان الفقيرة في الاستفادة من إمكانات النمو السريع واللحاق بالركب العالمي. يعود السبب الرئيسي لاستمرار الفقر في البلدان النامية إلى شح الموارد الطبيعية وغياب السلع الرأسمالية، وعلى الرغم من منطقية التفسير إلا أنه تقليدي كثيرًا ويخالف الواقع بحسب رومر.

يعتقد الخبير الاقتصادي الجديد للبنك الدولي أن التفكير تحول بشكل أساسي للتركيز على الأفكار وليس الأشياء، بمعنى آخر فإن المعرفة هي ما تفتقر إليه الدول النامية وليس الموارد الطبيعة أو رأسمالية النظام الاقتصادي السائد فيها. هذه المعرفة يمكن أن تكون مجدية لتعزيز النمو في البلدان الأكثر فقرا من تلك التي تملك الاقتصادات المتقدمة، وبالتالي فالإنتاج والنمو والازدهار ممكن وفي متناول اليد بالنسبة للدول التعيسة.

إذ استثمرت الدولة الفقيرة في التعليم بشكل لا يدمر التحفيز لدى مواطنيها وسعيهم لاكتساب الأفكار ونقلها عن بقية دول العالم، يمكن حينها الاستفادة بشكل سريع من الجزء المتاح في جميع أنحاء العالم من المعرفة ثم تسخيره للنمو. أما التكتيك المعتمد فيجب أن يكون بالعمل على ما يسميه رومر ” ميثاق المدن”

وبوصفه أحد الرواد في معهد التمدن في جامعة نيويورك، يعتقد رومر أن تجربة الصين في خلق مناطق ومدن مثل هونج كونج ومدينة سنجن الصناعية في جنوب الصين هي الوصفة السحرية. حيث يمكن أن تصبح هذه المدن دليل إثبات لنجاعة السياسات بطريقة يمكن فيما بعد اعتمادها في مختلف أنحاء البلاد.

في تلك المدن، يمكن للسلطات رسم وتخطيط القوانين الضريبية واللوائح المالية ومجموعة من السياسات الأخرى لمعرفة ما هو الأفضل بالنسبة لهذه البلاد. تلك الرؤية تتناغم مع خطط رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم لتسخير إمكانيات البنك في خدمة المشاريع التي تحقق عوائد التنمية الكبيرة، بدلا من التركيز كثيرا على برامج صغيرة لا تعد ولا تحصى.

 

لا شك أن وصول بول رومر إلى منصبه الجديد في البنك الدولي سيعطيه الفرصة لاختبار المعلومات النظرية حول صحة الاعتماد على المعرفة والابتكار لتحفيز النمو، لكن في هذه المرة سيكون الإثبات عمليًا وليس عبر الاحصائيات والدراسات المعتمدة على الرياضيات. حيث لا يخفي رومر امتعاضه من المعلومات الرياضية النظرية بل يذهب إلى ابعد من ذلك في اتهام علوم الرياضيات والاحصاء بلعب دور تضليلي وغير بناء عند النظر إلى مشاكل التنمية.

 

يبقى أن نشير إلى أن القدرة على استقطاب بول رومر وتوظيفه تعد انعكاسًا للمكاسب التي حققها البنك الدولي على مستوى السمعة، وسلامة الإجراءات والسياسات التي ينتهجها في معالجة القضايا العالمية الملحة.

 

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة