دخلت صناعة الروبوتات الآلية في العقد الأخير من القرن الماضي في مراحل جديدة مع زيادة التطورات التقنية المرتبطة بالبرمجة، وساعد اتساع حجم الاستثمار سواء للشركات الناشئة أو تلك العابرة للقارات في ازدهار الصناعة التي قدمت مجموعة من الخدمات والاسهامات في مجالات كان البشر ينشدون فيها الدقة في العمل جنبًا إلى جنب مع السرعة.

فبدء دخول الروبوتات إلى ميادين الصناعة والعلوم بشكل متسارع، وانتشرت الآلات المبرمجة في كل مكان فمن غرف العمليات في المشافي الضخمة، إلى مصانع السيارات والعربات، وصولًا إلى رحلات الإنسان نحو اكتشاف الفضاء والكواكب التي اعتمدت بشكل أساسي على الذكاء الصنعي.

اتجهت معظم الشركات مؤخرًا نحو انتاج روبوتات شبه بشرية بحيث يمكن الاستعاضة عن البشر في تنفيذ بعض المهام الخطرة، أو المساعدة في تسهيل الحياة وتكريس الذكاء الصنعي لخدمة رفاهية الإنسان.  يقول ساتوتشي شيغامي مدير فريق تطوير مشروع الرجل الآلي في شركة هوندا اليابانية ” كان التفكير ينحصر في انتاج روبوتات تستطيع تغير المجتمع، آلات بإمكانها المشي والركض وإعانة البشر. هي مهمة شاقة بالطبع فكيف تستطيع موازنة سلوك جهاز مبرمج وتحويله إلى شخص يمكن الاعتماد عليه؟ هذا ما حاولنا تقديمه خلال 40 عامًا من الأبحاث”.


صممت هوندا عبر شركتها الفرعية للأبحاث والتطوير روبوت ذكي سمته أسيمو ” ASIMO “وظهرت امكانيات الجهاز المبهرة خلال التجارب فتحول إلى ايقونة في عالم صناعة الروبوتات شبه البشرية، وأصبح يستقبل كبار الضيوف في العالم باسم دولة اليابان.

استقبل أسيمو الرئيس الأمريكي بارك أوباما في زيارته لليابان عام 2014، حيث بدأ الروبوت الشبيه بالطفل الصغير الترحيب بالرئيس الأمريكي، ولعب معه كرة القدم أيضًا.

لكن اليابان لم تكن وحيدة في هذا المجال فمنذ 3 سنوات تقريبا، انضمت غوغل إلى قائمة الشركات العاملة في صناعة وتطوير الروبوتات الذكية، لتزيد بذلك من قاعدة أعمال الشركة الأمريكية التي تسيطر على حصة كبيرة من الصناعات التكنولوجية الحديثة، سواء عن طريق محرك البحث الأول على شبكة الإنترنيت، أو من خلال تطويرها برمجيات وأنظمة تشغيل الهواتف الذكية، عبر تحالف شركات الهواتف المحمولة الذي تقوده.

لكن مغامرة غوغل في سوق الرجال الآليين لم تكن كما توقعت الشركة. فبعد أن استحوذت غوغل عبر تجمع لكبار شركات التكنولوجيا تحت اسم Alphabet على شركة متخصصة في تطوير وإنتاج الروبوتات الذكية في أواخر عام 2013، تنتشر اليوم شائعات كثيرة عن رغبة عملاق الانترنيت في التخلي عن شركة بوسطن ديناميكس على الرغم من وجود دراسات تشير إلى استبدال الرجال الآليين بالبشر في معظم الوظائف بحلول عام 2020

من هي شركة بوسطن ديناميكس التابعة لغوغل؟

تعرف بوسطن ديناميكس بانها الشركة التي تنتج روبوتات معدنية باسم أطلس، أنتجت الشركة سلسلة من الروبوتات المميزة باعت منها للجيوش وبعض فرق الدفاع المدني. تستطيع هذه الآلات الذكية العمل في أصعب الظروف سواء في نقل المعدات العسكرية إلى الجبهات الخطيرة أو المشتعلة، كما المساعدة في جهود الدفاع المدني لإنقاذ الناجين من الكوارث الطبيعية.

وكشف آخر فيديو مسجل للشركة عن انتاجها روبوت جديد مطور سمته Spotmini وهو عبارة عن مخلوق صغير خليط من الكلب والزرافة تستطيع العيش معه في منزلك عوضًا عن الحيوانات الأليفة، حيث يهتم الروبوت بتنفيذ بعض أعمال المنزل، وتسلية المستخدم عبر حركته المضحكة.

يستطيع هذا الشيء المشي وصعود الدرج، أو الهرولة قادمًا باتجاهك، كما يتحرك بحرية ومرونة إذا واجهته العوائق. استطاع الروبوت الانزلاق تحت الطاولة بطريقة ذكية دون ان يصطدم بشيء، حيث ساعدته أرجله الهيدروليكية الأربعة في تعديل ارتفاعه ومتابعة الحركة عندما وصل إلى طرف الطاولة.

زودت بوسطن ديناميكس هذا النموذج بمحركات كهربائية خلافًا للنماذج السابقة التي اعتمدت على محركات عاملة بالوقود لتحريك وحوشها الصغار. إلا أن وزن هذا المخلوق الإلكتروني لم يتجاوز 30 كيلوا غرام حتى مع احتساب وزن رأسه الذي يبلغ أقل من خمس وزن الجسم تقريبًا. في الوقت الذي تكفي فيه بطاريته للعمل حوالي 90 دقيقة متواصلة وتختلف المدة بحسب المهام الموكلة إليه.

الروبوت الجديد لا يحتاج مساعدة البشر!

على الرغم من المرونة الكبيرة التي تميز الروبوتات المصنعة وفق تطبيقات العلوم الكهروميكانيكية، إلا أن تدخل البشر يبقى مطلوبًا خاصة عندما تفقد هذه الآلات توازنها وتسقط على الأرض. لكن Spotmini يفوق نظرائه حيث استطاع الكلب المعدني النهوض من تلقاء نفسه بعد أن أنزلق بقشرة موز وضعت عمدًا في طريقه.

ومع أن مشهد الوقوع كان حزينًا ومحبطًا للمهوسين بالروبوتات فإن الطريقة التي استخدم بها الروبوت رأسه التي تشبه الزرافة في طولها، أعطى املًا كبيرًا وفخرًا بالتكنولوجيا الجديدة المستخدمة فهذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها روبوت بالوقوف بعد وقوعه من دون مساعدة البشر. والفضل يعود في ذلك إلى مرونته الكبيرة وأجهزة الاستشعار الموزعة على كامل جسمه، مما يجعله يتعامل بنجاح مع مختلف البيئات من حوله.

ومثل الكلب الحقيقي يستطيع Spotmini التعلم من سلوكيات صاحبه بشكل يمكنه من تأدية المهام التي تطلب منه. نجح الروبوت في التقاط الكؤوس المتسخة ووضعها في غسالة الصحون، وكذلك تخلص من علب المشروبات المعدنية الفارغة ورماها في سلة القمامة. يبقى الفارق الوحيد بينه وبين نظرائه من الحيوانات الأليفة في قدرته على حمل الوجبات الخفيفة وتقديمها لصاحبه، كذلك الأمر في حالة المشروبات دون التهامها أو تخريبها.

كل ما كشفه الفيديو الجديد لشركة بوسطن ديناميكس من إمكانيات رائعة لروبوت سواء في في المشي وتجاوز العقبات أواستعادة التوازن بعد السقوط، ثم تجنب الاصطدام بالعوائق، تبقى قاصرة في بناء سوق تجارية رابحة لمثل هذه المنتجات. وهنا يكمن السبب الحقيقي وراء الشائعات التي يتم تداولها بكثرة حول نية غوغل بيع شركتها بوسطن ديناميكس والتخلي عنها.

اتجاه سوق الروبوتات

يبدو أن سيطرة الاستخدامات الصناعية والأبحاث العلمية أو حتى المجالات العسكرية على سوق الرجال الآليين كان سبب في قلة المبيعات وغياب الإنتاج المنزلي. في متابعة سريعة لجميع الفيديوهات الترويجية التي أطلقتها شركة بوسطن ديناميكس نجد أن أغلبها تظهر أمكانيات الروبوتات في البيئة الخارجية. هذه المرة الأولى التي تقدم بها الشركة مثالًا منزليًا لتطبيق التكنولوجيا التي تعمل عليها في خدمة شخصية للبشر العاديين خارج إطار الصناعة أو الجهود العسكرية.

بعد الإعلان عن فيديو الروبوت Spotmini والذي حصد أكثر من 3.5 مليون مشاهدة على موقع اليوتيوب، ستكون شركة بوسطن ديناميكس أمام مفترق طرق فالاحتمال الأول هو خلق سوق جديد لهذه المنتجات بطابع شخصي، أما الثاني فهو التسليم بصحة الشائعات حول رغبة غوغل في التخلي عنها ومواجهة مصير البيع المباشر. بكل الأحوال تبقى هذه الأخبار فرص استثمارية للراغبين في الانخراط ضمن صناعات المستقبل او الخروج المبكر من مشاريع خاسرة.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة