منذ أشهر لم يكن دونالد ترامب سوى رجل أعمال وشخصية عامة مثيرة للجدل تطرح نفسها كمرشح للانتخابات الرئاسية الأمريكية، لكن مع اختيار المؤتمر الخاص بالحزب الجمهوري لترامب مرشحاً عن الحزب أصبحت إمكانية فوزه بالانتخابات واقعاً حقيقياً يجب أخذه بكل جدية.

المرشح الجمهوري المعروف بتوجهاته العنصرية ضد الأقليات العرقية والمسلمين وتصريحاته المثيرة للجدل، يعلم تماماً أن الانتخابات الأمريكية تهم العالم كله وليس فقط الأمريكيين، وتشكل السياسة الخارجية جزءاً هاماً من حملة أي مرشح خصوصاً فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

ترامب لم يقدم في حملته حتى الآن رؤية واضحة للسياسة الخارجية التي سيتبعها، بل إنه لم يعين مستشاراً للسياسية الخارجية في حملته حتى الآن! وكل ما صدر عنه سواء في المناظرات الرئاسية مع المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون أو في المقابلات التلفزيونية كانت تصريحات عدوانية وغريبة بالنسبة لشخص يطرح نفسه كرئيس أمريكا المقبل.

حملت تصريحات ترامب أفكاراً صادمة مثل نيته منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة واصفاً المسلمين القادمين من تلك الدول بالإرهابيين، وتهليله للقصف الروسي في سوريا معتبراً أن روسيا تحارب داعش إلى جانب النظام السوري كما لمح إلى تأييده لقانون جاستا الذي أقره الكونغرس الأمريكي لفرض عقوبات على السعودية بحجة أن من نفذوا هجوم 11 أيلول هم مواطنون سعوديون.

make-america-great-again

ماذا لو وصل ترامب إلى البيت الأبيض؟

منطقة الشرق الأوسط التي تشهد اليوم صراعات عسكرية كبيرة في سوريا والعراق واليمن، وقضايا كبرى مثل إيران والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا يبدو أنها ستشهد أي انفراج في حال وصول المرشح الجمهوري إلى البيت الأبيض.

حيث مدح ترامب السياسة الروسية في سوريا معتبراً أن روسيا لا تتدخل لمصلحة طرف في سوريا بل تحارب تنظيم الدولة وتضمن موقع الأقليات في البلاد، مشيراً إلى وجود ما سماه “مذبحة ضد المسيحيين في سوريا والعراق” ولم يتوان ترامب عن إظهار إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة.

المرشح الجمهوري أكد كذلك أن أمريكا في حال انتخابه لن تتدخل في سوريا عسكرياً وأنها ستتوقف عن دعم المعارضة السورية لأنها “لا تعلم من هم هؤلاء الأشخاص وما هي نواياهم” بحسب قوله، معتبراً أن النظام السوري حليف قوي في محاربة تنظيم الدولة.

بالنسبة لدول الخليج فإن ترامب قال إنه سيطلب من المملكة العربية السعودية، التي تشهد تحولًا اقتصاديًا ضخمًا، دفع مبالغ مالية مقابل وجود القاعدة العسكرية الأمريكية فيها، متجاهلاً أن وجودها في الأساس كان لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة وليس العكس، مضيفاً أن على الدول الخليجية المساهمة في مساعدة اللاجئين وإخماد مناطق الصراع في الشرق الأوسط دون أن يقدم أي توضيح أو خارطة طريق حول كيفية تنفيذ ذلك.

أما حول ما يتعلق بالملف النووي الإيراني صرّح ترامب بأنه يجب إعادة التفاوض في الاتفاق الأمريكي الإيراني دون إلغاء الصفقة النووية، ويرى خبراء في السياسة الدولية أن هدف ترامب هو الحصول على صفقات للمستثمرين الأمريكيين في السوق الإيرانية وهو ما سيضر بشكل مباشر بدول الخليج أحد شركاء أمريكا الاقتصاديين الأهم، والتي لطالما كانت هدفاً للسياسة الإيرانية العدوانية والمستفزة.

رغبات ترامب الاقتصادية في إيران تتعارض مع تصريحاته السابقة التي اتهمها فيها بدعم منظمات إرهابية مثل حزب الله وقوله إنه سيعمل في حال انتخابه على تفكيك الشبكة الإرهابية الإيرانية والتي تشكل خطراً على أمن الولايات المتحدة الأمريكية.

العودة للماضي كانت كذلك سمة غريبة لحديث ترامب حول الشرق الأوسط، إذ أكد أكثر من مرة أن وضع العراق كان أفضل في عهد الرئيس صدام حسين مضيفاً كذلك أن ليبيا كانت بخير في عهد الديكتاتور معمر القذافي، واعتبر أن سياسة منافسته كلينتون كوزيرة للخارجية كانت السبب في الحروب في الشرق الأوسط.

السياسة الخارجية الفوضوية وغير الواضحة لترامب، وتصريحاته المثيرة للجدل تنبأ بأن الشرق الأوسط سيزداد توتراً وستتعقد أزماته في حال انتخابه، وقد تخسر أمريكا شركاء اقتصاديين هامين في المنطقة إذا ما نفذ ترامب الوعود التي طرحا في حملته الانتخابية.

trump-could-be-us-president

رجل أعمال وليس رجل سياسة

الخبراء في السياسة الأمريكية يركزون دائماً على الخلفية الاقتصادية لدونالد ترامب عند الحديث عن سياسته الخارجية، إذ يؤكدون أن ترامب سيعامل أمريكا كشركة وليس كدولة عظمى وسيضع مصلحته الشخصية اعتباراً هاماً في كل إجراء يتخذه.

الخبرة التي يمتلكها المرشح المثير للجدل في مجال الأعمال هي التي تدفعه لإطلاق وعوده الاستعراضية لكسب أصوات فئة معينة من الناخبين، فمثلاً يعلم ترامب تماماً أن قضية منع المسلمين من دخول أمريكا هي مجرد كلام في الهواء ولا يمكن تطبيقه من الناحية القانونية دون موافقة الكونغرس، الذي بدوره لن يسمح بإجراء كهذا يهدد مصالح أمريكا والوضع الحالي للمجتمع الأمريكي.

الرئيس المحتمل لأمريكا ينظر للعالم وكأنه شركة كبرى ويريد من كل دول العالم أن تمنحه امتيازات اقتصادية وصفقات تجارية خاصة حيال ما ينظر إليه على أنه خدمات حماية تقدمها دولته العظمى التي يرأسها، ويرغب في تطبيق هذه الرؤية على دول الشرق الأوسط وأوروبا وصولاً إلى دول عظمى مثل الصين، وهو ما يثير مخاوف لدى كثير من دول العالم في حال وصوله للبيت الأبيض في الانتخابات القادمة.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة