في خطوة شجاعة لمجموعة من رجال الإعمال، تسعى شركة أمريكية متخصصة في صناعة التعدين والاستكشاف، للحصول على ترخيص لتنفيذ مهمة علمية على سطح القمر. حيث وضعت الشركة المكونة من 25 موظفًا فقط، برنامجًا طموحًا لإرسال مسبار ومجموعة من المختبرات العلمية إلى الفضاء، وبالتحديد ليهبطوا على سطح الكوكب الأقرب إلينا بحثًا عن فرص تجارية هناك.

وتقول الشركة المالكة للمشروع “مون اكسبريس” (Moon Express) التي يقع مقرها في ولاية فلوريدا الأمريكية، أن تسير هذه الرحلة التجارية ستكون منتصف العام المقبل 2017، بهدف اكتشاف مساحات واسعة من سطح القمر، عبر مسبار فضائي خاص سيلتقط العينات والمعطيات ويعود بها إلى الأرض.

تلك المهمة الروبوتية، إن جاز التعبير، ستشكل حجر الأساس في تحقيق طموح الشركة  ،  الذي يتمثل في “استغلال موارد الكوكب  “القمر” وتسخيرها لخدمتنا” بحسب ما قاله الناطق الرسمي باسم الشركة خلال حديثه   إلى الصحافة.


يبدو أن المسؤولين في الولايات المتحدة سيدخلون التاريخ من خلال إقرار أول مهمة فضائية خاصة تذهب إلى ما وراء مدار الأرض، ووفقاً لأشخاص مطلعين على تفاصيل النقاشات التي دارت في مكاتب صنع القرار، فإن السماح بتنفيذ مشاريع ربحية في جميع أرجاء النظام الشمسي حلم ضروري يجب تحقيقه.

لذلك جاء إعلان حكومة الولايات المتحدة عدم معارضتها للمخطط الذي يدور حول رحلة خاصة  إلى سطح القمر، بمثابة دفع معنوي كبير وربما تشريع    يسمح للراغبين الاستثمار ضمن صناعة الفضاء، سبقها بكل الأحوال اتجاه وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لتخفيف الاعتماد على جهود الوكالة الفردية عند تنفيذ مشاريع الفضاء. والسماح بالتعاقد مع شركات ومزودي خدمات من القطاع الخاص دليل على رغبة واضحة في تشجيع هذا النمط من الشركات.

بعد أن حصلت شركة “مون اكسبريس” (Moon Express) على الضوء الأخضر من   إدارة الطيران الاتحادية في البلاد، بدأ التخطيط لإطلاق مركبة غير مأهولة باسم إم إكس – 1 لاند  (MX-1 –Land) للقمر، في سابقة تنهي احتكار الوكالات الوطنية الحكومية لمهمة البعثات الفضائية.

في وقتنا الحالي وبفضل تطور التكنولوجيا السريع، أصبح بإمكان مجموعات صغيرة من المستثمرين، أن يقوموا بتنفيذ مشاريع عملاقة في الفضاء، هذه الجهود كانت بحاجة لدول بحجم القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، حيث دخل هؤلاء في سباق الفضاء سابقًا.

إلا أن غزو الفضاء والاستثمار في صناعاته التقنية يبدو متاحًا اليوم للجميع، وليست تجربة شركة سبيس اكس (SpaceX) التي تحدثنا عنها سابقًا ببعيدة عن هذا الموضوع.

ماهي أهداف شركة “مون اكسبريس” السرية؟

يعتقد نافين جاين الشريك المؤسس في شركة “مون اكسبريس” أن القمر هو القارة الثامنة، التي يجب ألاّ تُهمَل عملية البحث عن الموارد فيه “، خاصة بعد أن أتمّ الإنسان البحث والاستكشاف في جميع القارات السّبع على الكرة الأرضية.

ويتوقع جاين أن تصبح صناعة الفضاء ” أكبر قطاع مربح في المستقبل” ويوضح في مقابلة مصوّرة آلية التفكير التي تنتهجها شركته فيقول ” هنالك عناصر معدنية تحتاجها البشرية لضمان البقاء والاستمرارية، لكنها للأسف نادرة في كوكبنا، في حين يمتلك القمر مخزونات أفضل منا”.

كلام الرجل يشي بالكثير فهم يخططون على ما يبدوا لتوريد هذه العناصر إلى الأرض، بل ربما تقام محطات ومستعمرات فضائية مأهولة بشكل دائمة تكون كمراكز انطلاق لمشروعات أوسع. تشير الدراسات العلمية لوجود كميات وافرة من معدن البلاتين الثمين، وكذلك الهليوم 3 وهي المادة التي يعوّل عليها كثيرًا كوقود نووي يمكن أن يعطي عائدًا أكبر من الوقود المستخدم في المفاعلات النووية اليوم كما أنه أكثر أماناً في الاستعمال. كذلك لا ننسى وجود كميات من المياه بصورة صخرية مجمدة على سطح الكوكب “القمر”، مما يعني أنّ حاجات المستعمرات البشرية هناك يمكن تلبيتها بسهولة.

المكسب الأول لشركة “مون اكسبريس” في هذه الرحلة إن حدثت هو حصولها على مبلغ يتراوح ما بين 20-30 مليون دولار أمريكي من شركة غوغل عملاق محركات البحث المشهورة. حيث رصدت الأخيرة هذا المبلغ ضمن برنامجها التنافسي الذي ينتهي مع نهاية العام القادم، ويعطى للفائز بالمركز الأول في التحدي الذي أطلقته للهبوط على سطح القمر.

وتشترط غوغل للحصول على الجائزة قيام شركة خاصة (غير حكومية) بإرسال مركبة صغيرة لتهبط على سطح القمر، ثم يتم التحكم فيها أرضيًا بطريقة تسمح لها بالمسير 500 متر على الأقل، مع نقل بث حي ومباشر بالفيديو والصور للطبيعة الجغرافية على كوكب القمر.

يتنافس في هذه المسابقة 16 فريقا، بما في ذلك اثنين من الشركات الأمريكية الخاصة إحداها مركز تعليم جامعي. يضاف إليهم شركة “مون اكسبريس” (Moon Express) التي تركز في مهمتها القمرية الأولى على اختبار برمجيات وأنظمة التحكم لمسبارها إم إكس – 1 لاند  (MX-1 –Land، في نفس الوقت تخطط سبيس اكس (SpaceX) لغزو المريخ عام 2018 والتنقيب عن الموارد في كويكبات أخرى.

تشريعات غزو الفضاء باتت ملحة.

قالت الشركة في بيان صحفي أن الموافقة النهائية على البعثة جاءت بعد مجموعة من المشاورات بين إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية، والبيت الأبيض، ووكالة ناسا، ووزارة الخارجية الأمريكية. كان هذا الحجم من التنسيق ضروري خاصة أن مهمة “مون اكسبريس” تخضع لمعاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، ذلك الاتفاق الدولي التنظيمي الذي ظهر بمبادرة من الولايات المتحدة و(الاتحاد السوفيتي) روسيا حاليًا.

فمن بين الأمور التي تنص عليها المعاهدة أن البعثات إلى القمر والأجرام السماوية الأخرى يجب أن يكون سلمية ويجب على الوكالات غير الحكومية والشركات الخاصة (في حالتنا) الحصول على موافقة من البلد المعني حول أنشطتها في الفضاء الخارجي. حاليًا لا توجد وكالة دولية تقوم بتنظيم الرحلات الفضائية الخاصة أو تمتلك السلطة لمنعها أو إقرارها، خاصة إذا كانت النشاطات التجارية هي الطابع السائد على تلك الرحلات فيما وراء مدار كوكب الأرض.

وجدت حكومة الولايات المتحدة الرحلة الخاصة إلى القمر، لا تهدد الصحة العامة والسلامة ومصالح الأمن القومي أو السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أو الالتزامات الدولية للبلاد. لكن فيل سميث العامل في “مجموعة توري للفضاء” (Tauri Group) قال إن الحاجة إلى تشريعات قانونية مرتبطة بالرحلات أو البعثات الفضائية التجارية أصبحت ضرورية، خاصة في موضوع التنظيم”.

لا يعني حصول شركة “مون اكسبريس” (Moon Express) على الموافقة الحالية، إطلاق يدها في أي فعاليات مستقبلية بل ستحتاج في كل مرة إلى موافقة الحكومة الأمريكية وستنتظر نتائج المشاورات في أي مهمة مستقبلية ترغب في تنفيذها.

ويعتقد جوستين كارل، منسق برنامج عمليات الفضاء التجارية في امبري ريدل وهي جامعة لعلوم الطيران، أن الشركة مازالت بحاجة إلى تأمين رخصة إطلاق الصاروخ من وكالة ناسا، ولكن هذا الجزء سيكون أقل العقبات التي تواجه الشركة.

ويضيف انه من “الصعب الحصول على أي نوع من الترخيص” عندما تحاول أن تفعل شيئا لم يسبقك إليه أحد على الإطلاق، لكن نجاح جماعة صغيرة مثل شركة “مون اكسبريس” في الحصول على ترخيص سيعتبر خطوة كبيرة جدا على قطاع صناعة الفضاء التجارية بحسب زعمه.

مشكلة صاروخ الإطلاق

يجب على “مون اكسبريس” الاهتمام الآن بشكل مكثف بالجوانب التقنية والمالية للرحلة، خاصة مع اعتمادهم على موردين وشركات خدمات لوجستية، بعضها يثير المخاوف والشكوك. فخلال المهمة القمرية الأولى ستوكل الشركة مهمة النقل لمعداتها إلى سطح القمر لشركة تسمى ” مختبرات الدفع الصاروخي-الكترون” حيث تملك هذه الشركة مركبة فضائية عبارة عن صاروخ يدعى ” الكترون” يصل طوله إلى 16 متر تقريبًا ويطلق من موقع في نيوزيلندا.

لكن هنا تكمن المشكلة، فهذه الشركة لم تقم بإطلاق أي صاروخ حتى الآن، وتظهر العقبة الأولى وربما الأهم مع اعتقاد غالبية المتابعين أن الاعتماد على شركة بدون تاريخ ناجح في مثل هذه المهمات الحساسة، ستكون مقامرة لا يمكن ضمان نجاحها ولربما تهدد الأمن والسلامة العالمية.

في المرحلة الأولى من خطة “مون اكسبريس” ستتكلف الشركة ما يقارب 50 مليون دولار حتى تصل بمسبارها إلى القمر. لكن الأمر لن يقف هنا فالشركة وقعت مذكرة تفاهم مع نفس شركة صاروخ “الكترون” لتنفيذ عدة عمليات إطلاق، ما يعني أن تكاليف المشروع ستتجاوز مئات ملايين الدولارات، قبل أن يبدأ بتحقيق دخل واقعي من هذا الاستثمار.

يبقى أن نشير إلى أن مهمة تفادي التصادم مع الأقمار الصناعية التي تسبح حول الأرض ستكون شاقة، في ظل غياب هيئة تشريعية عالمية تنظم عملية الإطلاق، وسيكون ترك الأمر لمبادرات محلية في بلدان محددة كارثيا خاصة إذا ما علمنا أن الاتجاه العالمي نحو استثمار الفضاء يتزايد.

يوم الجمعة الماضي، أعلنت لوكسمبورغ تفاصيل خططها لإنشاء مشروع فضاء جديد مع استثمار 230 مليون دولار أمريكي من أموال دافعي الضرائب، لتعزيز المشاريع الفضائية التجارية، مثل صناعة التعدين على الكواكب الأخرى.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة