أعلنت نتائج الانتخابات البريطانية الرسمية عن فوز حزب المحافظين البريطاني بالعدد الأكبر من المقاعد في البرلمان حيث حصل الحزب على 318 مقعد بنسبة 48.9% فيما حصل منافسه الرئيسي حزب العمال البريطاني 261 مقعداً بنسبة 40.2% وتلاهما الحزب الوطني الإسكتلندي الذي حصل على 35 مقعداً بنسبة 5.4%.

هذا الفوز لم يكن خبراً سعيداً لرئيسة الوزراء المحافظة تيريزا ماي فهو أشبه بخسارة لعاملين رئيسيين، أولهما أن الحزب خسر الغالبية العظمى التي كان يملكها الحزب في الانتخابات الماضية حيث خسر الحزب المحافظ عدة مقاعد لصالح حزب العمال بقيادة جيريمي كوربين، والعامل الثاني هو أن تيريزا ماي وحزبهما لم يعودا قادرين على تأسيس الحكومة دون التحالف مع حزب آخر.

جيريمي كوربين زعيم حزب العمال قال في خطابه الذي ألقاه بعد إعلان النتائج أن الفائز في الانتخابات البريطانية واضح جداً، مضيفاً “أنه جاهز لخدمة البلاد”، فيما اعتبرت النائبة عن حزب العمال يفيت كوبر أن “تيريزا ماي قد أجرت الانتخابات المبكرة كاستفتاء على شخصها وخسرته، فكيف تستمر في منصبها كرئيسة للوزراء؟”.

نتائج الانتخابات وخسارة العديد من المقاعد شكلت ضغطاً على تيريزا ماي بشكل كبير خصوصاً مع الانتقادات والدعوات للاستقالة من قبل جيريمي كوربين وحزب العمال، وهو ما دفعها للتوجه إلى قصر باكينجهام لإجراء محادثة مع الملكة حول الانتخابات البريطانية.

تيريزا ماي خرجت بعد ذلك لتعلن عن نيتها إنشاء حكومة ائتلافية بالتحالف مع الحزب الديمقراطي الاتحادي المؤسس في إيرلندا الشمالية والذي حصد فقط على 10 مقاعد في الانتخابات البريطانية بنسبة 1.5% وهذه النسبة ستمكن الحزبين من الحصول على نسبة تزيد عن 50% لتشكيل الحكومة.

ما الذي ينتظر بريطانيا في الفترة القادمة؟

قرار تيريزا ماي باللجوء إلى حكومة ائتلافية سيضعها بشكل كبير أمام انتقادات كبيرة من جيريمي كوربين والمعارضة ممثلة بشكل رئيسي في حزب العمال البريطاني، خصوصاً أنها كنت تبدو واثقة من تحقيق أغلبية مطلقة في الانتخابات البريطانية.

هذا سيزيد من حالة الانقسام السياسي في بريطانيا وتزايد دعوات الاستقالة الموجهة إلى تيريزا ماي حيث أكدت مجموعة Citi المالية الكبرى في ورقة بحث مشتركة مع عدة مؤسسات للخدمات المالية أن بريطانيا تواجه في الفترة القادمة حالة عدم استقرار، مضيفة ان استقالة تيريزا ماي محتملة بشكل كبير.

من الناحية القانونية فإن بريطانيا أصبحت بعد الانتخابات أمام حالة انقسام في البرلمان لم تتكرر منذ عام 1900 سوى خمس مرات فقط، وهذا يحصل حينما يفشل أي حزب في الحصول على 326 مقعداً، وبالتالي يحتاج لإجراء تحالف مع حزب آخر لإنشاء حكومة.

صناديق الإقتراع في لندن - ألفكسو

الأمر يصبح أكثر تعقيداً لأن الحزب الأقل أصواتاً وهو حزب العمال البريطاني في هذه الحالة يستطيع بدوره التحالف مع حزب آخر للحصول على الأغلبية الكافية وتشكيل الحكومة! رغم أن هذا الاحتمال مستبعد لكون التقاليد السياسية البريطانية تسمح للحزب الأكثر أصواتاً بالحصول على الفرصة الأولى لتشكيل الحكومة، إلا أنه لا يوجد مانع قانوني لذلك.

الآن تيريزا ماي، والتي جاءت للحكم بعد قرار الطلاق مع الاتحاد الأوروبي، أمامها حتى يوم 13 من الشهر الحالي لتشكيل الحكومة قبل أن تنتهي ولاية البرلمان الحالي، وفي حال فشلها ستواجه دعوات كبيرة للاستقالة من جيريمي كوربين وحزبه.

الجنيه الإسترليني واجه هبوطاً بعد نتائج الانتخابات البريطانية حيث هبطت قيمته أمام الدولار الأمريكي من 1.2959 للدولار إلى 1.2674 للدولار، كما هبط بنسبة 2% أمام اليورو! وفي حال لم يتم تشكيل الحكومة في فترة قريبة ولم يحدث استقرار فقد يشهد المزيد من الهبوط.

مفاوضات بريكسيت أمام منعطف حاسم

مفاوضات بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي والتي بدأ التحضير لها منذ استفتاء خروج بريطانيا بريكسيت الذي جرى في عام 2016 تصل اليوم إلى نقطة حاسمة خصوصاً أنه كان من المفترض أن تبدأ خلال أيام قليلة.

أوروبا التي توقعت أن تدخل ماي المفاوضات بأغلبية برلمانية حاسمة إلى جانبها تجد نفسها الآن أمام مفاوض مهزوز خصوصاً مع الضغط الكبير على تيريزا ماي من المعارضة بقيادة جيريمي كوربين.

تيريزا ماي - ألفكسو

مفاوضات بريكسيت قد تشهد تأجيلاً في حال تنحت ماي عن منصب رئاسة الوزراء تحت الضغط، وستضطر إلى انتظار تعيين حزب المحافظين رئيس وزراء جديداً أو ربما الاحتمال الأكثر جنوناً وهو فشل المحافظين في تشكيل الحكومة ولجوء حزب العمال إلى حليف لتشكيل حكومة وانتخاب كوربين كرئيس للوزراء.

كوربين سبق وأن قال إنه يريد بريكسيت يحقق المزيد من الوظائف للبريطانيين وليس خروجاً يسبب مشاكل اقتصادية لبريطانيا، وفي حال انتخابه قد يكون ذلك تعقيداً كبيراً في مفاوضات بريكسيت قد يعيدها لنقطة الصفر.

لكن مع ضعف احتمال حصول مثل ذلك تبقى ماي الخيار الأكثر احتمالاً خصوصاً أن إنشاء الحكومة الائتلافية لا يبدو صعباً عليها، لكن يبقى عدم امتلاكها للأغلبية الكبرى نقطة ضعف قد تؤثر على مكاسب بريطانيا أمام أوروبا في مفاوضات بريكسيت.

 

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة