تشهد الساحة العالمية تغيرات عدّة على صعيديها السياسي والاقتصادي، ولعل التقارب السعودي الروسي الأخير يتصدر القائمة هذا العام، حيث قام الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز مؤخراً بزيارة هي الأولى من نوعها إلى موسكو، حيث من المنتظر أن ينتج عن هذه الزيارة “التاريخية” كما وصفها كيريل دميتريف الرئيس التنفيذي لصندوق الثروة السيادية وصندوق الاستثمار المباشر الروسي، آثاراً وصفقات كبيرة قد تغير في النظام العالمي، وخاصةً أن السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية  تتمتع بعلاقةٍ طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد هي وروسيا قوتان متصارعتان منذ زمن طويل.

إلا أن المصلحة المشتركة بين المملكة العربية السعودية وروسيا دفعت الأولى إلى تغيير بعض من سياساتها وتحولها صوب الشرق لتدخل في تعاون ٍنفطيٍ واقتصاد مع روسيا قد يصبّ في مصلحة كلا البلدين وخاصةً في قطاع الطاقة، فقد لعبتا دوراً أساسياً في إقناع الدول المنتجة للنفط على العمل بشكل جماعي لتحقيق استقرار الأسعار العالمية للنفط ، سواء كانت داخل أو خارج منظمة أوبك، كما أنهما قررتا الاتحاد لمواجهة تحديات السوق وتقلباته، فضلاً عن الاستثمارات المشتركة المرتقبة بين شركة النفط السعودية أرامكو مع شركة لوكويل الغازية الروسية، وكذلك إمكانية انضمام المملكة إلى مشروع الغاز الطبيعي في المنطقة القطبية الشمالية في روسيا، ولكن هل يعد هذا التعاون بديلاً للشراكات القائمة للسعودية أم تنويع تفرضه متطلبات المرحلة الراهنة!

ما موقف الولايات المتحدة من التقارب بين المملكة العربية السعودية وروسيا؟


ترتبط السعودية مع الولايات المتحدة بعلاقةٍ طويلة الأمد تعود إلى سبعة عقود وذلك منذ بداية التنقيب عن النفط داخل المملكة في الثلاثينيات، وتشهد العلاقات بين البلدين في ظل رئاسة دونالد ترامب توطيداً أكثر عمّا كانت عليه في السنوات الأخيرة من رئاسة باراك أوباما، وعندما تطورت التوترات حول موقف السعودية من إيران واليمن.

إلا أن هذه السياسة الجديدة بين المملكة العربية السعودية وروسيا قد لا تكون عاديةً بالنسبة للحليف الاستراتيجي المعتاد للسعودية وهي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتخوف الأخيرة من تأثير التقارب على بنية الاقتصاد العالمي بشكل لا يوافق مصالحها، وخاصةً أن البيانات تظهر النمو الاقتصادي النسبي في آسيا وارتفاع قوة الدول الشرقية إلى جانب تراجع قوة الغرب، وذلك بحسب ما أكدته مجموعة العشرين.


ومن جهة ثانية فإن صفقات الأسلحة الروسية قد أثارت شركات الدفاع الأميركية والبنتاغون ومجلس الأمن القومي في أميركا، حيث يرى الخبير الدفاعي البريطاني الدكتور اندرياس كريغ، في تعليقات نقلتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن قرار وزارة الدفاع الأميركية بتعليق المناورات العسكرية مع دول الخليج يعكس تعبيراً عن سخط المؤسسات الأميركية الرسمية من الزيارة واتفاقات شراء الأسلحة الروسية.

أما من الجانب السعودي فإن السعوديين يدعون منذ فترة طويلة إلى الابتعاد عما يسمونه الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة كحليف استراتيجي وشريك تجاري، ويبدون رغبتهم في الانفتاح على حليف جديد والذي لم تكن روسيا الوحيدة فيه بل أيضاً الصين التي تعد الحليف الأقوى للمملكة.

العلاقات السعودية الصينية

الأعلام الوطنية لروسيا والمملكة العربية السعودية على طاولة. رمزا للتعاون بين البلدين

الصين واحدة من أكبر الأسواق المستوردة للنفط في العالم، وهو أحد الأسباب الذي جعل توطيد العلاقات    مع المملكة العربية السعودية أمر حيوي لا بد منه ومصلحة اقتصادية تقوم في أساسها على النفط.

وبحسب وكالة الطاقة الذرية فإن من المتوقع أن تتضاعف واردات الصين من الشرق الأوسط بحلول عام 2035، ولا تقف العلاقات المشتركة بين الصين والسعودية في مجال النفط وحسب، بل تشمل استثمارات سعودية وصينية متبادلة في كل المصافي الصينية والسعودية وحقول الغاز الطبيعي، كما أن شركة سينوبك الصينية قد شاركت مع شركة أرامكو لبناء مصنع يبلغ 400 ألف برميل يوميا بدأ تصدير شحناته الأولى في يناير هذا العام.

لا ننسى ان اليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيوية أخرى تمثل ما يقرب من 70 % من صادرات النفط الخام للمملكة مما يجعل الشرق عالماً تنجذب إليه العلاقات الخارجية السعودية.

يذكر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد زار السعودية مرة واحدة فقط عام 2007، ومنذ توليه للسلطة يسعى نحو تحقيق استراتيجية تهيمن على أسواق الطاقة في العالم، كما يسعى إلى الإمساك بكل الخيوط في المنطقة وإضعاف النفوذ الأمريكي، وهو ما يجعله يرحب بالتقارب السعودي ويعتبره خطوة إيجابية بين البلدين، في حين أن السعودية تأمل من روسيا أن تساعدها في تنفيذ رؤيتها المستقبلية وهو التحول عن الاعتماد على النفط، وهوما قد تعجز عنه روسيا التي لم تتمكن هي نفسها بعد من التخلص من الاعتماد عليه.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة