تناقلت وسائل الإعلام مؤخرًا تصريحات لمسؤولين تايلانديين تفيد بعزم بلادهم إقامة جدار عازل على الحدود المشتركة مع الجارة ماليزيا، بهدف التحكم أكثر بمنافذ البلاد التي شهدت انقلابًا عسكريًا في أيار من عام 2014. ظهرت هذه الأنباء قبيل زيارة رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق لعاصمة المملكة التايلندية بانكوك.

في حين تحدث مسؤول في وزارة الخارجية التايلاندية لوكالة الأنباء العالمية رويترز فقال” إن بناء الجدار العازل سيكون على جدول الأعمال لكنه ليس الأمر الأبرز على الرغم من أهميته”.

وتمتلك تايلاند التي تعتبر وجهة سياحية هامة كحال جارتها ماليزيا حدود، تزدهر فيها العمليات غير المشروعة من الإتجار بالبشر وتهريب المخدرات والأسلحة وغيرها الكثير من الجرائم العابرة للحدود الوطنية. كما كانت تعتبر طريقًا إقليميًا للتهريب قبل أن تشن حكومة الانقلاب حملة شرسة خلال العام الماضي، لم تتكلل بالنجاح المطلق.


يبحث رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق خلال زيارته التعاون الأمني والاستثمار مع نظيره التايلاندي الجنرال برايوت تشان أوتشا، وهو رئيس القوات المسلحة الملكية التي قادت الانقلاب على الحكومة الانتقالية، بعد ستة أشهر من الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد.

فمنذ بداية تشرين الثاني 2013 شهدت البلاد احتجاجات مناهضة لمشروع قانون تقدمت به رئيسية الوزراء السابقة للعفو عن سلفها المنفي إلى الخارج، ما أشعل الاحتجاجات التي انتهت بانقلاب عسكري.

تمتلك تايلند تاريخًا طويلًا من الانقلابات العسكرية والتجاذبات السياسية فضلًا عن الاستقطاب على أساس طبقي بين سكان المدن، وسكان الأرياف بسبب الغنى والفقر، إلا أن هذه الأوضاع لا تعتبر أكبر مشاكلها حيث تمتلك أيضًا حدودًا طويلة تبلغ 640 كلم مع ماليزيا هي الممر لضرب استقرار البلاد بحسب ما تقوله السلطات.

خلال الشهر الماضي ضربت ثلاثة انفجارات دامية جنوب تايلاند، كما حدثت اعتداءات مشابهة بموجة من التفجيرات شملت المدن السياحية، قالت الشرطة التايلاندية بأنها من تدبير الانفصاليين.

لقد اكتسبت زيارة رئيس الوزراء الماليزي أهمية خاصة نتيجة تلك الأحداث السابقة، حيث يقول المتحدث باسم قيادة عمليات الأمن الداخلي التايلندي العقيد يوتسانن بتشموانغ أن ” هنالك مذكرة تفاهم أولية حول الجدار العازل” في الوقت الذي لم تستجب فيه وزارة الخارجية الماليزية لطلب وكالة رويترز التعليق على الموضوع.

يفسر بعض المختصين بالشأن الداخلي في تايلاند الضبابية في التصريحات وعدم الوضوح بين الجانبين، على اعتبار أن الجنرال المنقلب على الحكومة الانتقالية بحاجة لزيادة شعبيته لذلك تكثر الأنباء والحديث حول الجدار العازل كدعاية سياسية. ويحذر هؤلاء من استغلال الجدار لضرب الأقلية المسلمة التي ضمت قسرًا إلى تايلاند في جنوب البلاد عام 1909.

لقد كانت الحدود المشتركة بين تايلاند وماليزيا سهلة الاختراق، عدا عن تحولها لمواقع تهريب الأسلحة والمخدرات والنفط غير القانوني. وبعد تولي سلطة الانقلاب مقاليد الحكم في أيار من عام 2014، وعد المجلس العسكري الحاكم في تايلاند بالاهتمام أكثر في تلك المنطقة وفق خطة سماها “سياسة عدم التسامح” حيث شن حملة وطنية على الرذيلة والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر.

large-malaysia_thailand_locator

ما هو تاريخ التمرد في جنوب تايلاند؟

في بداية عام 2004، تحركت مجموعات غامضة من المتمردين غالبيتهم من عرقية الملايو مطالبين بالانفصال بعد تصاعد الاضطرابات على مدى عقود، في تلك الأوقات قتل 6500 شخص بحسب “مرصد عمق الجنوب” تلك الهيئة الرقابية التي تحصي أعمال العنف.

لقد كانت ثلاثة محافظات جنوبية هي باتاني، ويالا، وناراثيوات في وقت تاريخي سابق جزء من سلطنة إسلامية مستقلة ضمتها تايلاند إليها عام 1909. يعتقد مدير مرصد ” عمق الجنوب” سيري سومو بوب أن هنالك مسألتين على وجه الخصوص سمحت بتحفيز المصالح المشتركة بين ماليزيا وتايلاند تجاه إقامة الجدار الحدودي العازل.

فالأول هو مكافحة تدفق البضائع غير المشروعة وخاصة تجارة النفط ومشتقاته والمخدرات والاتجار بالبشر، والسبب الثاني هو أن المسلحين الذين ينشطون في تايلاند يعتبرون ماليزيا ملاذًا آمنًا لهم فيعبرون الحدود بين البلدين، بحسب تصريحات الأخير لوكالة رويترز.

طول الحدود الكبير سيعطي المشروع مصاعب لوجستية وتقنية بحاجة لحل قبل العمل عليه، ترتقي هذه المصاعب لدرجة قد تمنع مثل هكذا بناء، إلا أن التجارب السابقة في دول أخرى تعتبر دليل عمل يرشد خلال التنفيذ.  لقد حصنت الولايات المتحدة الأمريكية حدودها مع المكسيك في وقت سابق عندما أنشأت جدار بطول يزيد عن ثلاثة آلاف كلم، لكن الولايات المتحدة لم تكن تعاني من تمرد تحاول سحقه كما ينوي المجلس العسكري لتايلاند فعله تجاه اثنية الملايو.

تقول وزارة الداخلية التايلندية أن مجموعة من المتمردين تطلق على نفسها اسم “روندا كومولان كيسيل” استغلت الحدود عندما هربت إلى الأراضي الماليزية عقب تنفيذها لمجموعة من أعمال العنف، حيث تشير الاحصائيات الحكومية أن ما يناهز 12 ألف شخص أصيبوا في عمليات التمرد التي تساعد الحدود المشتركة على بقاءها مزدهرة.

وعليه تظهر تايلند المستفيد الأكبر من مشروع الجدار الباهظ الثمن، لان ذلك سيعطيها القدرة على مكافحة التمرد، وبالتالي من المنطقي أن نراها تدفع الجزء الأكبر من التكلفة، أما ماليزيا التي تعتبر أكبر شريك تجاري لتايلند بقيمة تبادل تجاري يبلغ 22 مليار دولار سنويًا، ستتمكن بدورها من حصر حركة التجارة الحدودية للنفط والمطاط وغيرها من السلع المهربة.

حلول تحت الاختبار

يتساءل بعض خبراء الحدود في تايلاند عن جدوى بناء جدار بطول يزيد عن 600 كلم، والتكاليف التي ستنتج عنه. ويقول هؤلاء هل سيقف المتمردون على المعابر الشرعية ضمن الجدار حتى يدخلوا البلاد، أم أنهم سيبتكرون طرق جديدة؟ كذلك حال عصابات التهريب وغيرها من النشاطات غير الشرعية التي لن يوقفها الجدار.

لقد استطاعت الصين حماية بلادها من المغول عبر سورها العظيم لفترة من الزمن، لكن الفساد والخيانة سمح بدخول الأعداء في نهاية المطاف، بعد رشوة حارس السور نفسه، يتناقل المعارضون لهذا المشروع الحكاية الصينية بتهكم على الحكومة العسكرية التي تحكم البلاد، ثم يتسألون كيف سيتم انشاء الجدار في الحدود البحرية للبلدين التي تشكل معضلة حقيقة، خاصة أن تايلاند تمتلك في بعض أجزاء من حدودها مساحات بحرية واسعة تفصلها عن جارتها.

وبدوره يقول مايكل مونتيسانو، باحث زائر في معهد دراسات جنوب شرق آسيا في سنغافورة ” مشروع الجدار هو وسيلة لإلهاء الرأي العام عن الفشل الطويل في تكتيكات مكافحة التمرد، وإهمال حل القضايا الاجتماعية والسياسية التي تغذي التمرد”.

الجدير بالذكر ان جميع الحكومات المتعاقبة على البلاد منذ عام 1948 لم تستطع هزيمة التمرد أو وضع حدًا له رغم المحاولات الكثيرة، والتي تظهر قرارات رئيس المجلس العسكري الحاكم في تايلاند كواحدة جديدة منها.

 

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة