تتجه الأنظار مرة ثانية نحو اكتشاف واستغلال الكون الواسع والكواكب المحيطة مع انضمام لاعبين جدد إلى نادي الفضاء، هذا ما يبدو عليه الحال مع زيادة الاستثمارات الخاصة التي تصب في قطاع الصناعات الفضائية بوجه عام، والاقمار الصناعية وصواريخ الفضاء بشكل أكثر تحديدًا.

فمنذ عام 2010 ارتفع حجم المبالغ التي رصدت للإنفاق على المشاريع الممولة من شركات لا ترتبط بالأطراف الحكومية أو منظمات البحث الدولية، بواقع 6 أضعاف تزامنًا مع وصول اجمالي عدد الشركات المستثمرة في هذا المجال إلى ما يزيد عن 800 شركة.

السباق اليوم على الاستفادة من “منجم الذهب” كما يحلوا للمتابعين تسميته، ولن تكون ضرورات البحث العلمي أو تحسين شروط الحياة للبشر عبر معرفة وفهم الكون المحيط بطريقة أفضل هي الهاجس هنا، بل الأرباح المالية الضخمة التي من المتوقع الحصول عليها لمن يبادر إلى الدخول في بيئة أعمال غريبة لم تعرف بعد.

في دراسة لشركة عالمية متخصصة في مجال الفضاء تسمى ” NewSpace ” توقعت الشركة وصول قيمة الأموال المستثمرة في مشاريع خاصة مع نهاية العام الحالي إلى عشرة مليارات دولار أمريكي. حيث يقود هذه الطفرة الكبيرة مجموعة من الشركات الخاصة يملكها رواد ورجال أعمال مغامرين، جنبًا إلى جنب مع مجموعة من شركات التكنولوجيا المعروفة.

سباق الفضاء 2

ساعد وجود سبيس اكس (SpaceX) وهي شركة يمتلكها الملياردير إيلون ماسك في ظهور طفرة الاستثمار تلك، بعد ان خصصت الشركة مليار دولار أمريكي لمشاريعها المبتكرة. وكذلك فعل عملاق محركات البحث غوغل عندما اتجه للدخول بقوة في صناعة الفضاء فاستحوذ على شركة متخصصة في انتاج الأقمار الصناعية. في الطرف المقابل يظهر فيسبوك اهتمامًا مشابهًا لاستغلال الفضاء، وتسعى الشركتين لاستثمار الفضاء في بث الانترنت في جميع أنحاء العالم عن طريق الأقمار الصناعية الصغيرة، والطائرات بدون طيار، والبالونات والليزر.

لكن الأمر لا ينحصر في أسماء الشركات الكبيرة، فقد أعلنت مختبرات (Planet Labs) التكنولوجية عن جمع 95 مليون دولار لتمويل مشاريع خاصة بها أيضًا.

تنوع حجم الشركات ومجالات عملها دليل على قرب انطلاق سباق الفضاء الثاني، إن لم يكن قد بدأ أصلًا. فغالبًا ما تكشف الأموال المنفقة على قطاع ما معلومات أكثر مما تعلن عنه الشركات العاملة في نفس المجال.

بعد أن نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في الوصول إلى سطح القمر في رحلة أبولو المشهورة منذ نصف قرن تقريبًا، تم السماح للقطاع الخاص بالاستثمار مباشرة في صناعة الفضاء عبر شركات ومشاريع مختلفة، ما ساهم في توسيع حدود التكنولوجيا والابتكارات.

ولم يأخذ اتجاه السوق صفة الزيادة المستمرة الواضحة، إنما عاد الاهتمام به واتسع الاقبال عليه بعد سنوات من افلاس شركة إيريديوم (Iridium LLC) عام 1999، في تلك الأيام تبخرت مليارات الدولارات التي خصصتها الشركة لمشاريع شبكة الأقمار الصناعية العالمية المخصصة للاتصالات.

أما اليوم فتقف مشاريع شركة سبيس اكس (SpaceX) العاملة في تقنيات الدفع الصاروخي وإنتاج صواريخ الفضاء، وشركة فيرجن جالاكتيك (Virgin Galactic) التي تخطط لتنفيذ رحلات سياحة فضائية، كنقاط راسخة تقود موجة التفاؤل تجاه صناعات الفضاء من جديد.

يقول مات كوك المدير الإداري والشريك في شركة متخصصة في جمع البيانات ” يستقطب هوس الفضاء مجموعة ضخمة من العلماء والمهندسين أصحاب الشهرة، بالنسبة لهؤلاء الاستثمار التجاري للفضاء حلم يتحقق اليوم “. يعتبر مات كوك من المستثمرين المبكرين في مختبرات (Planet Labs) التي يقع مقرها في مدينة سان فرانسيسكو، وكحال الكثيرين ممن يطمحون إلى صناعة ثروات ضخمة وجني مليارات الدولارات، يركز نشاط الشركة في انتاج الأقمار الصناعية.

حصلت مختبرات (Planet Labs) على أكثر من 160 مليون دولار أمريكي بصفة تمويل وأطلقت 73 قمرا صناعيا للتصوير حول العالم.  لقد كان ضرب من الخيال أن نصدق قبل ثلاث سنوات عندما بنت الشركة أول قمر صناعي مصغر، في مرآب لتصليح السيارات في وادي السليكون أنها ستصل إلى إطلاق هذه الشبكة الكبيرة.

 

كيف تستثمر أمولك في صناعة الفضاء؟

ينقسم تطوير الفضاء إلى مرحلتين الأولى أساسية -لوجستية مرتبطة بوجود من يقدم الخدمات للشركات الراغبة في الوصول إلى الفضاء، أما المرحلة الثانية فهي صناعة التقنية والتجهيزات الضرورية لطموح وأهداف كبيرة كأنشاء المستعمرات على الكواكب المجاورة أو محطات دولية تستخدم كمنصة للانطلاق في رحلات أبعد وأكثر تعقيدًا. لا ننسى أن تقليل التكاليف هي جوهر العمل التجاري لذلك تزداد يومًا بعد يوم الابتكارات التي تقلل النفقات.

اليوم، أصبحت الأقمار الصناعية أصغر في الحجم، حيث من الممكن وضع قمرًا صناعيًا في راحة اليد، بل تتناهى الأبعاد في الصغر لتصل إلى ما يسمى نانو الأقمار الصناعية. وعلى الطرف المقابل تعمل الشركات على تطوير تقنيات إطلاق الصواريخ نحو الفضاء، تركز مثلا شركة سبيس اكس (SpaceX) على تكنولوجيا المحركات الفضائية وقد نجحت قبل ثلاثة أشهر تقريبًا في إطلاق صاروخ من نقطة وإعادته سليمًا ليهبط في موقع آخر بدقة. حيث تم الاعتماد على المحركات الصاروخية في مرحلة الإطلاق الأولى، والتي تعتبر حساسة ومهمة في وضع الصاروخ على مساره وضمان نجاح المراحل التالية.

ساهم تخلي وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن مكوكها الخاص بالرحلات الفضائية عام 2011 في تنشيط الاستثمار في سوق الفضاء من الشركات غير الحكومية، تقدم سبيس اكس (SpaceX) اليوم خدماتها للوكالة بعقد يبلغ قيمته 4.2 مليار دولار أمريكي، ويشمل تأجيرهم الصواريخ والمركبات الفضائية التابعة للأخيرة في عمليات نقل الكوادر من رواد الفضاء والشحنات الضرورية لعمل محطة الفضاء الدولية.

تمتلك ناسا برنامج طموح لإرسال رحلة بشرية إلى الطرف الخلفي من سطح القمر، وكذلك بناء مستعمرة مأهولة على سطح كوكب المريخ، بعد ظهور أدلة على وجود المياه هناك. ويظهر أن استراتيجية ناسا تضمن اعتماد الوكالة على متعاقدين ومقاولين ثانويين في تنفيذ بعض الأعمال.

ولا يخفي الرئيس التنفيذي لشركة سبيس اكس (SpaceX) إيلون ماسك البالغ من العمر 43 عامًا رغبته المشابهة لطموح ناسا، حيث يحلم بالسفر بين الكواكب وبناء مدينة في كوكب المريخ، إلا انه يصف الفكرة في مقابلة صحفية أجراها عام 2012 ” بالمشروع طويل الأمد والذي يبعث على السخرية”

بناء الثروات والاحتفاظ بها أصبح متاحًا أكثر من أي يوم مضى، والسبب هو كسر احتكار الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء للقطاع الحيوي. تتوزع الاستثمارات على جوانب متعددة منها تطوير الأقمار الصناعية لالتقاط الصور بشكل مستمر لكوكب الأرض مع جمع البيانات، وكذلك متابعة حركة النقل والشحن وحالة الطقس.

ويقول ستيفن ميسير رجل الأعمال المعروف في نشاطاته المبكرة مع ظهور الانترنيت أن ” التكنولوجيا ساعدت في تصغير حجم الأشياء بشكل ينعكس على التكلفة، وهو أمر حيوي لازدهار الاعمال” ويصف ميسير بتفاؤل حال صناعات الفضاء بشكل يشابه بدايات الانترنيت حيث يعتقد ” أن الفرص كبيرة لظهور أسواق ضخمة، إذا ما نظرنا إلى حجم سوق الطقس وحيدًا والذي يقدر بمليارات الدولارات”.

يبقى ان نشير أن الاستثمار في المشاريع الفضائية لايزال مقامرة تحوي مخاطر عالية، فقد خسرت مختبرات ” Planet Labs ” وحيدة ما يقارب 14 قمر صناعي عندما انفجر صاروخ تابع لها فوق منصة الاطلاق ولاية فرجينيا في اكتوبر تشرين الاول.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة