فشل تجمع الدول النووية خلال اجتماعه الأخير في العاصمة الكورية الجنوبية سول، في قبول الطلب الذي تقدمت به الهند للانضمام إلى النادي النووي العالمي، الذي يجمع ما يزيد عن خمسة وأربعين دولة حول العالم، بعد أن قادت الصين حملة معارضة شديدة جدًا تجاه الطلب، قبل أن يتوسع عدد الدول المعارضة أيضًا الأمر الذي انتهى بانقسام وتراشق للاتهامات بين الأعضاء.

وكانت الهند قد تقدمت بطلب رسمي للحصول على العضوية في التجمع النووي أو ما يعرف بمجموعة مزودي الوقود النووي (NSG) في بداية شهر أيار الماضي، مدعومة ببعض الدول الغربية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

تعتبر المجموعة من أهم الكيانات الدولية التي تشرف على تجارة المواد النووية (الوقود النووي)، ونقل هذه التكنولوجيا الحساسة واستغلالها تجاريًا كبديل محتمل للطاقة، أرخص سعرًا وأقل ضررًا على البيئة.

يتم اتخاذ قرارات المجموعة عند التوافق وتحقيق الإجماع بين الأعضاء، في حين تستطيع دولة واحدة تعطيل أي قرار باستخدام حقها بشكل يشبه نظام الفيتو السائد في مجلس الأمن الدولي.

وجاءت الانتكاسة الهندية عقب مناقشة الجلسة العامة للمجموعة النووية طلب العضوية المقدم، ذلك النقاش الذي حاولت الصين منعه مرات عدة، قبل أن توافق على استعراض الملف في جلسة عامة بشرط عدم وجود قرار ملزم في نهاية التقييم، وهو فعليًا ما حدث وأثار غضب الولايات المتحدة الأمريكية، التي قالت ” إن الدولة التي تكسر اجماع الحضور يجب أن تتحمل المسؤولية وتحاسب”.

تمتلك الهند تاريخ نووي قديم لا يخلو من التوترات والتنافس مع جارتها النووية باكستان، إلا أن القلق الدولي برز عقب التجربة النووية التي أجرتها البلاد عام 1998، قبل أن توقع الهند اتفاقية للتعاون في المجال النووي لأغراض مدنية مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008. كانت تلك الاتفاقية المفتاح الذهبي بالنسبة للمشروع النووي الهندي، حيث أعطاها القدرة على الحصول على المواد والتكنولوجيا النووية.

منذ ذلك الحين، ادرجت الهند ضمن مختلف جماعات النخبة العالمية، وانضمت إلى مختلف الاتفاقيات والتشريعات التي تتحكم في تصدير المواد النووية والتكنولوجيات المتعلقة بالأسلحة التقليدية، النووية والبيولوجية والكيميائية. باستثناء معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وهنا يكمن بيت القصيد في الاعتراض الصيني.

تقول بكين أنه لا يجب قبول البلدان التي لم توقع على المعاهدة كأعضاء في مجموعة مزودي الوقود النووي (NSG)، وتعتبر أن استكمال المعايير شرط اساسي للعضوية الجديدة، في الوقت الذي تصف فيه الولايات المتحدة الأمريكية الهند على لسان توم شانون نائب وزير الخارجية لشؤون السياسية ” بمرساة الاستقرار” في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتشجع على قبولها.

ويصعد المسؤول الأمريكي من حدة انتقاداته عندما يصف كل ما تقوم به الصين في منطقة بحر الصين الجنوبي بــ ” الجنون”، بل ويطالب بإعطاء نيودلهي دورًا رئيسيًا في المحيط الهندي.

Support for NSG India
الدول التي تدعم الهند بشكل علني وصريح بالحصول على عضوية بمجموعة مزودي المواد النووية

من يقف مع الهند من يقف ضدها؟

تكشف التصريحات الأمريكية زعامة الحلف المساند للهند في مواجهة الصين، حيث تعبر الولايات المتحدة الأمريكية أن التزامها في دعم ترشيح حليفها مستمر في وجه ” العقبات” الصينية. كما تقف اليابان إلى جانب الهند في نفس الرؤية، ويقول مسؤول في وزارة الخارجية اليابانية أن بلاده ستواصل العمل لجعل الهند عضوًا في المجموعة الدولية.

كانت الهند قد دعت في وقت سابق الحكومة الصينية إلى مناقشة ملفها بموضوعية وعدالة، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل دولة على حدا، لكن كبير المفاوضين الصينيين أخبر الصحفيين أن بلاده تعتبر مسالة التوقيع على معاهدة عدم الانتشار النووي من القواعد الأساسية التي يجب احترامها، وأن الأمر هو مبدأ بحد ذاته، ما يمنع كلًا من الهند والباكستان من الحصول على العضوية قبل التوقيع على معاهدة منع انتشار السلاح النووي (NPT)، كاشفًا أن هنالك دول أخرى تمتلك نفس الهواجس دون أن يسميها.

وتقول بعض المصادر الخاصة أن ثلاثة دول من بينها إيرلندا ونيوزيلندا تميل للرأي الصيني، حيث تعتبر أن الاتفاق على ضم دول إلى المجموعة من خارج معاهدة عدم الانتشار، يجب أن يتوافق عليه قبل بحث الطلب الهندي. في الوقت الذي ترى فيه البرازيل وسويسرا فرصة لمفاوضة الهند على دخول المعاهدة والمجموعة الدولية في آن واحد.

ومن جانبه أنتقد “ياسوهيسا كاوامورا” رئيس مكتب الصحافة والدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية اليابانية وجهة النظر الصينية بالقول من غير المقبول ربط ملف الهند بالملف الباكستاني، كما أن الصين لم تحترم سابقًا معاهدة منع الانتشار النووي التي تبدي تمسكًا كبيرًا بها اليوم، نحن نريد انضمام الهند لمعاهدة منع الانتشار لكن عرقلة قبولها في المجموعة الدولية لن يدفعها إلى طلب الانضمام للمعاهدة.

يقصد المسؤول الياباني المساعدة التي قدمتها الصين في وقت سابق للبرنامج النووي الباكستاني عندما نقلت التكنولوجيا النووية نحو البلد المسلم الذي يتنازع مع الهند حول اقليم كشمير. الموقف الياباني لا يخفي الصراع مع الصين للسيطرة على المنطقة، فبنظر حكومة الجزر اليابانية يشكل النفوذ الصيني تهديدًا موغل في القدم لمصالح الإمبراطورية، على الرغم من امتناعهم عن التصريح بذلك.

تشاطر الإدارة الأمريكية الجانب الياباني مخاوفه تجاه الصين وازدياد نفوذها ومشاريعها العملاقة، إلا ان اللهجة المستخدمة هنا واضحة ومباشرة أكثر، حيث يقول توم شانون نائب وزير الخارجية لشؤون السياسية ” لقد شكلت مهمة إدارة صعود الصين تحديًا رئيسيًا للولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن يكون وجود الهند قوي وشامل في المحيط الهندي”. ويتابع بالقول ” لقد كان الالتزام الهندي بالاتفاق النووي للمجالات المدنية جيدًا وعليه يجب أن تحصل الهند على “المكافأة” في إشارة لطلب العضوية.

الصواريخ مقابل النووي.

بعد يوم واحد فقط من فشل قبول الهند في مجموعة الموردين العالميين للتكنولوجيا النووية، دخلت البلاد في اتفاقية ونظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR) بصفة عضو، وحضر مراسيم استلام أوراق العضوية سفراء فرنسا وهولندا ولوكسمبورج. حيث تشمل هذه الاتفاقية تكنولوجيا القذائف وأنظمة الصواريخ والمركبات الجوية غير المأهولة (الطائرات بدون طيار)، وتولي عناية لأنظمة الصواريخ القادرة على حمل 500 كيلوا غرام والطيران ولا يقل عن 300 كيلومترا، وكذلك أسلحة الدمار الشامل.

أصبحت الاتفاقية تضم 35 دولة تجتمع في نادي عالمي لتطوير تكنولوجيا الصواريخ والدفع الصاروخي. هي نفس المجموعة التي تركت طلب الصين للانضمام إليها معلقًا حتى الآن.

ستستفيد الهند من تبادل الخبرات في مجال الصواريخ وتقنياتها، لكنها ستتعهد في المقابل بضبط انتشار الاسلحة الصاروخية. في الطرف المقابل ينظر المحللون الاستراتيجيون إلى هذه الاتفاقية كإضفاء للشرعية على نشاطات الهند، إلا أنهم يعتقدون أيضًا انها ستتحول إلى ورقة يمكن استخدامها لمساومة الصين مقابل العقبات التي تضعها.

الجدير بالذكر ان الهند تمتلك 20 مفاعل نووي عبر ستة محطات لتوليد الطاقة الكهربائية، كما تخطط لزيادة سبعة مفاعلات جديدة ضمن برنامجها الطموح لدعم مصادر الطاقة لديها، بشكل يعزز الاقتصاد الوطني والقدرة على المنافسة بشكل أساسي.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة