تشكّل مدينة هونغ كونغ الواقعة على ساحل الصين الجنوبي مصدر قلق للحكومة الصينية التي تخشى من محاولات انفصالها المتكررة، حيث تعتبر هذه المدينة مع مدينة مكاو منطقة تابعة لجمهورية الصين الشعبية بعد أن ظلت مستعمرة بريطانية حتى عام 1997،

إلا أن هذه التبعية للصين لا تمنع هونغ كونغ من ممارسة استقلاليتها وانفصال نظامها السياسي عن الصين، حيث تجمع بين البلدين اتفاقية “بلد واحد، نظامان مختلفان” والتي تمنح المدينة حكماً ذاتياً مع درجة من الاستقلالية التي تشمل كافة جوانب الدولة باستثناء العلاقات الدبلوماسية الدولية والنظام العسكري فيها.

ولكن بالرغم من هذه الاتفاقية التي تنظم أمور السلطة بين البلدين يبقى شبح محاولة انفصال هونغ كونغ عن أرضها الصينية الأم، أمراً مقلقاً بالنسبة للصين وخاصة بعد نتائج التصويت الأخيرة التي أجريت في انتخابات المجلس التشريعي في هونغ كونغ، وأثارت معها بعضاً من المخاوف المتعلقة بالرغبة الانفصالية لسكان المدينة عن الصين، الأمر الذي لا ترغب بكين بحصوله بل تسعى جاهدة لتعطيله.big-hong_kong_vs_china

لماذا تخشى بكين من نتائج الانتخابات التشريعية لهونغ كونغ؟

شهد المجلس التشريعي في هونغ كونغ مؤخراً أحد أهم الانتخابات التشريعية منذ المظاهرة الأخيرة التي طالبت بالديمقراطية عام 2014، وتأتي أهمية الانتخابات بسبب حصول مجموعة جديدة من السياسيين المطالبين بالانفصال عن الصين على أماكن في البرلمان، رغم أن نتيجة التصويت جاءت لصالح المؤيدين للبقاء مع الصين، حيث حصلت الأخيرة على 60% وحازت على 41 مقعداً من أصل 70 يُنتخب منهم 35 وفقاً لأصوات دوائر انتخابية جغرافية مباشرة يشارك فيها جميع المقيمين الدائمين في هونغ كونغ، أما الـ 35 الآخرون فيتم اختيارهم عبر انتخابات غير مباشرة تشارك بها منظمات وشركات أو أشخاص محددون مسبقاً،  في حين حصلت المجموعة الانفصالية الجديدة على 27 مقعداً.

وذكرت وكالة الأنباء الصينية أن أكثر من 2.2 مليون ناخب ممن يحق لهم الاقتراع قد شاركوا في التصويت بنسبة 58% وهي النسبة الأعلى منذ انتخابات 1997، حيث أن الانتخابات تنص على أحقية نحو 3.8 مليون ناخب من أصل 7 ملايين من سكان هونغ كونغ بالتصويت.

إلا أن اللافت في الأمر أن ثلث المقاعد في البرلمان كانت من نصيب حركة الشباب المؤيدة للديمقراطية والانفصال، والتي تضم قائمة من الأسماء التي شاركت في الاحتجاجات المعروفة عام 2014 للمطالبة بتغيير الحكم وإحداث تغييرات للانفصال.

وكان ناثان لو البالغ من العمر 23 عاماً أحد أبرز الأسماء الفائزة من الحركة حيث حصد ثاني أعلى عدد من أصوات دائرته الانتخابية في هونغ كونغ بعدد وصل إلى 50818 صوتاً، وهو الشاب الذي حكم عليه بالسجن لمدة 120 ساعة بسبب قيامه باحتجاجات المظلة الأشهر في تاريخ البلاد والتي قامت عام 2014 للمطالبة بالانفصال.

وينتمي لو لحزب القانون الجديد “ديموسيستو” والذي يدعو إلى استفتاء لتقرير المصير بشأن الوضع المستقبلي للبلاد، وسجلت أسماء أخرى تنتمي لحزب “تطلعات الشباب” الحديث فوزها أيضًا في الانتخابات مثل ياو واي تشينغ البالغة 25 عاماً وسيكستوس “باجيو” لونج.

ويبدو أن الأمر المقلق في وصول هذه الفئة إلى البرلمان أنها ستمتلك حق النقض الفيتو ضد أي تشريع تقرره الكتلة البرلمانية المؤيدة للصين، ويمكنها أيضاً أن تقف ضد أي تشريعات لا تحظى بشعبية بين السكان أو تثير أي جدل بينهم، فضلاً عن أن الشباب الجدد قد حققوا انتصارات في مشاركاتهم القياسية بالعملية الانتخابية حيث تمكنوا من تأجيج المشاعر المناهضة للصين من خلال حملاتهم الانتخابية المنافسة للفئة الأخرى المدعومة من بكين.

إلا أن هذه الاحتجاجات والمطالبات الشبابية الجديدة قد لا تعبر عن وجهة نظر المسؤولين في هونغ كونغ فهم لايزالون يدعمون بكين ويحرصون على الإبقاء على اتفاقهم معها فيما يخص “دولة واحدة ونظامان”

ولكن الأحداث الأخيرة التي قامت بها الصين، التي تعتبر من أكبر اقتصاديات العالم، من احتجاز خمسة من باعة الكتب لقيامهم ببيع منشورات في هونغ كونغ تنتقد المسؤولين الصينين ولا تؤيدهم قد جعلت الثقة تهتز قليلاً بينهما وهو الأمر الذي اعتبرته هونغ كونغ خرقاً للاتفاقية التي تجمع بينهما، كما أن تدفق المهاجرين الصينين إلى هونغ كونغ جعل السكان المحليين يتخوفون من التوطين الصيني المستقبلي في البلاد

وتنص الاتفاقية على احتفاظ المنطقة بحرياتها ونظامها الرأسمالي لمدة خمسين عاماً، تنتهي بعد 2047 ولم يحدد بعد مصير العلاقة بين حكومة الصين والمقاطعة بعد هذا التاريخ، لذلك كان من حق السكان في هونغ كونغ أن يقرروا مصير بلادهم المنتظر وخاصة أن دستور هونغ كونغ لا يعطي ضماناً في استمرار نظام دولة واحدة ونظامان بعد انتهاء مدة الخمسين عاماً.

ثورة المظلات

تعد الاحتجاجات التي قادها طلاب في هونغ كونغ عام 2014 نقطة تحول مهمة في المنطقة، حيث جاءت رداً على رفض الصين لمطالب قديمة تقضي بزيادة عدد النواب في المجلس التشريعي المشاركين في الاقتراع العام وذلك عام 1997 حيث أن لهونغ كونغ نصف عدد النواب فقط أما النصف الآخر فهو يمثل فئة من كبار رجال الأعمال والعائلات المرتبطة بالصين.

كما تهدف الثورة إلى إجراء انتخابات ديمقراطية للرئيس التنفيذي لهونغ كونغ عام 2017 بدلاً من الشروط التي تسعى بكين لوضعها حيث تفرض عملية اختيار تقتصر على دائرة صغيرة من الأشخاص يتوجب حصولها على موافقة نصف أعضاء لجنة الترشيح الموالية للصين والبالغ عددها 1200 عضو وذلك لتضمن بكين انتخاب رئيس تنفيذي موالٍ لها على الدوام.

إلا أن هذه الاحتجاجات الطلابية قد اتسعت واندمجت مع احتجاجات جماهيرية واسعة أطلق عليها اسم “احتلوا مركز المدينة”، ثم امتدت إلى مناطق تجارية عدة مثل سنترال ديتريكت ومونغ كوك وغيرها

أما بالنسبة لموقف بكين من هذه الاحتجاجات فقد احتفظت بالصمت حيالها وأخذت بالدفاع عن موقفها نافية وجود سياسات تلغي الديمقراطية أثناء الانتخابات، وأن ما يهمها هو التأكد من ولاء المترشح إلى الحزب الشيوعي كي تضمن فرض سيطرتها على كل البلاد، وبالتالي فان اختيار رئيس هونغ كونغ يعتبر السبيل الوحيد أمامها لذلك، وتعتبر حكومة الصين أن أي تنازل في الانتخابات سيؤدي إلى فتح المجال أمام مطالب أخرى وبالتالي سيؤدي إلى حصول أزمة سياسية.

لم تتمكن حركة المظلات من قطف ثمار عملية حتى الآن، ولم تعلن بكين موقفها الرسمي منها فهي لن تقدم أي تنازل سياسي فيما يخص قانون الترشيح، في حين أن الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ قد وجه رداً للحركة من خلال إدانة أي عمل غير قانوني للقيام باقتراح انتخابي، ورحب بالحوار كوسيلة لإنهاء الاحتجاجات وعودة الاستقرار إلى البلاد.

يذكر أن تسمية حركة المظلات جاءت من استعمال المحتجين للمظلات حماية لأنفسهم من بخاخات الفلفل والغازات المسيلة للدموع المستخدمة من قبل الشرطة التي تحاول طرد المحتشدين وتفريق تجمعاتهم، حيث أن الصين ترفض بشكل قطعي عملية الفصل وذلك لامتلاكها مصالح سياسية كبرى في هونغ كونغ وهي تهدف أيضاً إلى دمج كلي لهونغ كونغ باعتبارها جزءًا من الصين رغم الوعد السياسي الذي تعهدت به فيما يتعلق بـ “دولة واحدة، ونظامان”.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة