مازالت التعديلات الجينية والأبحاث المرتبطة بها تحظى باهتمام كبير بين أواسط الصحفيين والمشرعين القانونيين وحتى كبار الشركات العالمية العملاقة. وعلى اختلاف الأسباب والدوافع التي تجعل كل طرف يهتم بالموضوع وفقًا لما يريده، يبقى سحر الفكرة واعجاز الخيال مسيطرًا على عقول الجميع من مؤيدين ومعارضين لهذه الأبحاث، خاصة عندما تعرف أن تقنيات التعديل الجينية او الهندسة الوراثية تتطور بشكل جذري وسريع وربما تحمل للبشرية الحل لكثير من المشاكل والمعضلات التي تواجه الانسان منذ مئات السنين.

ولم يعد التغلب على الأمراض المعضلة كالسرطان مثلًا أو تأمين كميات وافرة من الغذاء والمحاصيل الزراعية للتجمعات البشرية الآخذة بالتوسع من المستحيلات، بل على العكس يبدو أن العمل على أبحاث التعديلات الجينية سيكون المفتاح الذهبي بيد الأجيال القادمة، لكن الظهور الأول للمنتجات الزراعية وفق هذه التقنيات سيكون أسرع وخلال خمسة إلى عشرة سنوات قادمة.

التعمق أكثر في معرفة ومتابعة القصة منذ بدايتها يقودنا إلى الحمض النووي، والذي يعتبر جزيئات أساسية صغيرة للنوكليوتيدات تستطيع تجميعها لتركيب جزيئات كبيرة. توجد الأحماض النووية في نواة الخلية، أما مهمتها فهي تخرين وترجمة المعلومات الوراثية عن الكائنات الحية. وبمعنى بسيط انت تمتلك خريطة وراثية بدخلك، تخبر بالكثير عنك حتى قبل ولادتك. ما هو شكلك، لونك، الامراض التي تعاني منها، قدراتك، وكل شيء موجود في الحمض النووي.

في السنوات القليلة الماضية استطاع العلماء فك لغز الحمض النووي وترجمة جميع الشيفرات الوراثية التي يمكن أن يحملها، بل وصل الأمر إلى محاولات التحكم بهذه الشيفرة الوراثية وتصميم جينات حسب الطلب. ما يعني التحكم بالحيوانات المولودة أو حتى النباتات المزروعة.

كيف ظهرت تقنية تعديل الجينات (CRISPR)؟

تعتبر هذه التقنية من أشهر الاكتشافات التي توصل لها الانسان، والسبب يعود إلى موثوقيتها وسهولة الاستخدام، كما مرونة العمل من خلالها على الحيوان والنبات. خلال عدة سنوات مضت، عمل مجموعة من الباحثين في كل من جامعات كاليفورنيا، بيركلي، هارفارد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، على تطوير هذه التقنية التي أتاحت المجال للعلماء على إجراء تغييرات على الجينوم (الشيفرة الوراثية للكائن الحي) بطريقة سهلة وبأهداف نسبية محددة، الأمر الذي شكل تحول حقيقي في طريقة تفكير العلماء حول الهندسة الوراثية

وقبل عشر سنوات استطاع الباحثون في كونمينغ عاصمة مقاطعة يوننان جنوب غرب الصين، من استيلاد توأم من القرود بعد استخدام تغيرات وراثية مقصودة وفق تقنية تعديل الجينات المعروفة اختصارًا بــ(CRISPR). ولدت القرود من رحم أم بديلة زرعت فيها البويضة الملقحة والتي غير العلماء فيها ثلاثة جينات محددة.

أعطى نجاح التجربة أمل كبيرًا لعهد طبي مهم يسمح بدراسة الأمراض المستعصية بالاستفادة من التجارب على القرود. ثم انتقل الاهتمام إلى جانب آخر حساس بالنسبة للبشر هو الغذاء والطعام. وبدأت الشركات العملاقة تدعم الأبحاث أو تشتري المختبرات المتخصصة بهذه التقنية الحديثة وتصرف ملايين الدولارات على أمل السيطرة على تكنولوجيا ستغير تاريخ البشرية.

عندما تزور أحد تلك المختبرات التابع لمراكز الأبحاث، ستجد أجهزة حساسة ذات أنظمة حقن ميكروسكوبية، عادة لها ابرة دقيقة أو اثنتين تتجهان إلى وعاء بلوري شفاف يحوي عناصر التجربة. يتم التحكم بهذه التجهيزات عبر قرص تحريك وبعض العتلات.

وعلى الرغم من استخدام هذه الأجهزة على حد سواء للحيوانات أو النباتات، فإن سرعة الإنجاز في تغير المواصفات الجينية يبقى مثيرًا للاهتمام. يركز العلماء جهودهم على انتاج وزراعة أنواع جديدة من النباتات عدلت عبر تقنية تعديل الجينات (CRISPR) فتم حقن مكونات جينية خارجية (أجنبية عن أصل النبات). ومن ثم تبدأ عمليات المتابعة والملاحظة والدراسة للنبات الجديد بكل تفاصيله على مدى الأشهر التالية، وصدق أو لا تصدق عملية الحقن تلك لا تستغرق أكثر من ثواني معدودة.

في الواقع من السهل جدا استخدام هذه التقنية على النباتات، وبالتالي التخلص من مخاطر الطرق التقليدية للهندسة الوراثية القديمة في تطوير أنواع وسلالات جديدة كانت تستهلك مدة زمنية طويلة جدًا قد تصل إلى عشرات السنين، وتستهلك أموال كثيرة خلال هذا الوقت.

 

سلالات نباتية جديدة!

تعمل مجموعة من بيوت الزراعة المحمية والمختبرات حول العالم على تجريب تقنية (CRISPR)، فقد استطاع مختبر صيني انتاج نوع جديد من القمح المقاوم للفطريات، كذلك تم تطوير الأرز ليعطي إنتاجية أعلى مما كان عليه في الهكتار الواحد. أما في بريطانيا فتقول الانباء أن مجموعة من العلماء نجحوا في تنفيذ تعديل نهائي للجين في نبات الشعير بشكل يساعد على تنظيم انتاج البذور ويكرس الجهود باتجاه انتاج أصناف مقاومة للجفاف.

 

ساعدت تقنية (CRISPR) في تقديم طريقة سهلة ودقيقة لتغيير وهندسة الجينات للمحاصيل على أمل أن تعطي مزيد من المواد الغذائية، كما جعلها ذات خواص مقاومة الجفاف والأمراض بشكل أكثر فعالية.

ستقدم هذه التقنية فرصة حاسمة في مساعدة العلماء على مواكبة الميكروبات المتطورة باستمرار التي تهاجم المحاصيل، حيث يقول سافيان كمون قائد فريق البحث في مختبر نورويتش بإنجلترا ” كنا سنحتاج ملايين من الدولارات وسنوات طويلة من العمل لو أردنا تطبيق الطرق التقليدية لأن الجراثيم لا تبقى كماهي ثابتة بل تتغير وتتبدل بكثرة “، يجرب فريق سافيان هذه التقنية على البطاطا والطماطم، وغيرها من المحاصيل لمكافحة الأمراض الفطرية لكن العالم البريطاني كان قد شارك في تطوير نسخة من تقنية تعديل الجينات (CRISPR) سابقًا.

 

إلا أن أفضل ما قام به سافيان وزملاؤه الذين عملوا على نبات الشعير وكذلك نبات يشبه القرنبيط، هو اثبات أن الجيل الثاني من بعض النباتات المعدلة وراثيًا، لم تحتوي على أي أثر للحمض النووي الدخيل الذي استخدم في بناء الجيل الأول من النبات!

هذه الأبحاث نبهت أن النباتات التي تطبق عليها تقنيات التعديل تلك لن توضع تحت الأنظمة القائمة التي تحكم الأحياء العضوية المعدلة وراثيا، مما يعني أنها ستتجنب الكثير من مخاوف المستهلكين تجاه المواد الغذائية المعدلة وراثيا.

المعلومة الهامة تلك وسعت دائرة الاستثمار بل وحتى المضاربة على أسعار أسهم الشركات التي تقوم بتجارب تشمل الذرة والفول السوداني والقمح والرز، حيث يتوقع أن تباع أول بذار معدلة خلال خمس سنوات او اقل.

يبقى أن نشير إلى أن وزارة الزراعة الامريكية كانت قد رفضت سابقًا ادراج المحاصيل التي خضعت لتعديل جينات بتقنية (TALENs)، وهي تقنية مشابهة لتقنية تعديل الجينات (CRISPR)، تحت التشريعات الحالية إلا ان الجميع يقوم بتغيرات سريعة ومراجعات هامة للقوانين التي تسمح بزراعة هذه المحاصيل في دول الاتحاد الأوروبي والصين.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة