الأشهر والأيام الماضية شهدت نقاشات طويلة وحديثاً كبيراً عن العمل الكبير الذي تقوم به العديد من وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر والشركات الانترنيت الكبرى كعملاق محركات البحث جوجل لمحاربة الأخبار المزيفة على الإنترنت.

 الضرر الأكبر يكون عند خسارة الأموال نتيجة لأخبار مفبركة أو كاذبة، فموضوع الانباء او البيانات الاقتصادية، تعتبر قضية ذات أهمية كبرى للمستثمرين أو المتداولين، خصوصاً أن وسائل التواصل الاجتماعي وأخبارها أصبحت تعتبر مصدراً للأخبار لا يستهان به، ولأن السوق لطالما واجهت حالات احتيال وخداع وصلت بعضها إلى مستوى كبير من الخطورة.

موقع فيسبوك مثلاً قام بتطوير أداة للتبليغ عن الأخبار المزيفة وأكد أنه يعمل على التعاون مع العديد من الشركات لتطوير نظام قوي للقضاء على الأخبار المزيفة والمواقع التي تنشرها على الموقع الأزرق، وشركة جوجل أكدت أنها تعمل على نفس الخطط لحماية محرك بحثها وموقع جوجل بلس الخاص بها. فضلًا عن انتشار الكثير من الأساليب للتحقق من الأخبار.

fake news sites

قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت بالشعبية التي هي عليها اليوم، تعرضت الأسوق لأكثر من مرة لعمليات احتيال كانت تتم عبر رسائل الفاكس والرسائل القصيرة التي كانت وسيلة التواصل في وقتها.

العديد من حالات الاحتيال حصلت في تلك الفترة ومن أبرزها حادثة شركة Emulex Corp. بعد إصدار بيان صحفي مزور عبر خط للأخبار خاص بالسوق، تحدث البيان عن هبوط سهم الشركة 60% وهو ما كان له ضرر كبير على الشركة.

كذلك العديد من الشركات مرت بتجارب مشابهة مثل شركة PairGain Technologies و Lucent Inc. حيث أصدرت بيانات مزيفة بشأنها كذلك، وفي السنة الماضية صعد سهم تويتر بشكل كبير بعد مقالة من موقع مزيف بدا شبيهاً جداً بموقع Bloomberg الشهير وتحدث عن عرض استحواذ للشركة بقيمة تصل إلى 31 مليار دولار.

لكن كل تلك الحوادث تعتبر صغيرة مقارنة بحادثة الاحتيال على سوق لندن في عام 1814 والتي اعتبرتها مجلة Times واحدة من أشهر 10 عمليات احتيال في تاريخ السوق.

ما الذي حصل في عام 1814؟

صباح يوم الاثنين 21 فبراير عام 1814 دخل رجل يرتدي ملابس الضباط البريطانيين ويدعو نفسه كولونيل دو بورغ، وعرف عن نفسه بأنه مساعد اللورد كاثكارت، ودخل دو بورغ إلى نزل في ميناء دوفر بإنجلترا، لينقل خبر وفاة القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت في معارك روسيا على يد مجموعة من المقاتلين القوقازيين، وأن الحكم الملكي قد عاد إلى السلطة في فرنسا.

الخبر انتشر كالنار في الهشيم، خصوصاً أن الملكيين في فرنسا كانوا حليفاً قوياً لإنجلترا على عكس نابليون، وتوجه دو بورغ ومساعدوه نحو لندن لينشروا الخبر في كل نزل وتجمع يجدونه في المدينة، وانتشرت الاحتفالات في المدينة خصوصاً من الجنود الفرنسيين المؤدين للملكية الذين اعتقدوا أن السلام بين إنجلترا وفرنسا سيعود بعد مقتل نابليون.

بورصة لندن كانت من أكثر المتأثرين بخبر مقتل نابليون، حيث افتتح السوق صباحاً على تحليق للأسعار الخاصة بسندات الحكومة البريطانية، وبدأ الخبر يتناقل بسرعة كبيرة بين متداولي البورصة، ولكن أحد عاملي البورصة لاحظ ان هناك 1.1 مليون باوند من السندات يتم بيعها بهدوء تام وهو ما أثار الشكوك حول القضية.

stock market climb - alvexo

خلال أيام قليلة ظهرت حقيقة الخبر وعلم الجميع أن وفاة نابليون هي مجرد خدعة كبيرة وقع فيها السوق، وعادت أسعار السوق إلى وضعها الطبيعي بعد عدة أيام من الصعود السريع، فيما بدأت تحقيقات مكثفة من الحكومة البريطانية لمعرفة الأشخاص القائمين على عملية الاحتيال.

التحقيقات انتهت إلى اتهام اللورد كوشران وهو عضو في البرلمان وبطل سابق في البحرية وعمه أندرو كوشران ومستشاره المالي ريتشارد بات، كما تم القبض على الكابتن راندوم دو بيرينجر الذي انتحل شخصية الضابط دو بورغ ونشر الخبر المزيف عن وفاة نابليون في لندن.

المتهمون جميعاً أدينوا بتهمة الاحتيال والخداع وحكم عليهم بالسجن لمدة اثني عشر شهراً بالإضافة لغرامة تبلغ ألف باوند، إضافة إلى ساعة يقضونها أمام العامة في قفص ليتم تشنيعهم وتحقيرهم جراء أفعالهم المخادعة.

حادثة وفاة نابليون لازالت تعتبر حتى اليوم واحدة من أشهر عمليات الاحتيال على السوق، ومثالاً مهماً واضحاً على مدى الضرر الذي يمكن أن تحدثه الأخبار المزيفة على السوق والأسعار، وكذلك مدى أهمية أي خبر مهما كان للوضع في الأسواق والأسعار.

لا حاجة للضباط المزيفين اليوم

اليوم وفي ظل التطور التكنولوجي وضخ الأخبار الهائل يومياً لم يعد هناك حاجة للجوء لخدع خطرة مثل انتحال شخصية ضابط لنشر الأخبار المزيفة وإحداث اضطرابات في السوق بشكل كامل، خصوصاً أن الأخبار المزيفة استطاعت أكثر من مرة تحريك السوق في لحظات نحو اتجاه معين عبر فبركة خبر اقتصادي ما.

العديد من المستثمرين والمتداولين اليوم يلجؤون إلى الإنترنت للحصول على المعلومات والتحليلات والأخبار المستجدة حول السوق، وكثيراً ما يبنون قراراتهم بناء على هذه الأخبار، لكن هنا يبرز سؤال مهم، وهو هل سيستطيع هؤلاء اتخذا قرارات صحيحة وتحقيق أرباح في وجود أخبار مزيفة تنافس الأخبار الحقيقة وكثيراً ما يصعب التمييز بينها؟

اليوم هناك سباق بين العديد من شركات التكنولوجيا لتطوير آليات وبرامج تستطيع التمييز بدقة بين الأخبار الحقيقي والمزيفة، وقد نكون محظوظين بحيث تشارك هذه الشركات تقنياتها مع المواقع الأكثر استخداماً مثل فيسبوك ومحركات البحث التي نستخدمها جميعاً مثل جوجل، خصوصاً إذا وجدت تلك الشركات العملية مربحة أكثر من الاحتفاظ بتلك التقنيات لنفسها.

stock exchange - alvexo

المستثمرون الذين تكون استثماراتهم طويلة الأجل هم من يجب عليهم بالذات الانتباه إلى موضوع الأخبار الخاصة بالسوق، فالخبر سواء كان مزيفاً أم حقيقياً ليس العامل الحاسم بل ردة الفعل المستثمر هي التي تحدد مدى التأثر بأي خبر.

يجب أن تكون ردّات فعل المستثمر متوازنة فيما يتعلق بالأخبار المستجدة، فبالنسبة لمستثمر يضع خططاً لسنوات وعقود قادمة، هل من الحكمة فعلاً اتخاذ قرار كبير وسريع فقط لأجل خبر استجد اليوم، وقد يكتشف زيفه في اليوم التالي.

الأخبار المزيفة بالنسبة للسوق قد تكون سارة وفي الاتجاه الذي توده وقد تدفع بالسوق كله نحو توجه معين فقط لتحقيق أرباح لبعض المحتالين، وهذا هو الدرس الذي تكرر أكثر من مرة منذ وفاة نابليون المزيفة وحتى يومنا هذا.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة