قررت إدارة موقع التواصل الاجتماعي الأشهر على الإطلاق ” فيس بوك” يوم الجمعة التراجع عن قرار حظر تداول صورة فتاة النابالم الفيتنامية، بعد أن أثارت أساليب الرقابة المطبقة في الموقع احتجاجات شعبية ونخبوية وصلت إلى حد مشاركة السياسيين والحكومات في التصدي لفيس بوك.

تراجع الفيس بوك جاء بعد عاصفة من الانتقادات اللاذعة لمنع تداول الصورة، تطورت لتطال أيضًا مارك زوكربيرغ شخصيًا بسبب إساءة استخدام السلطة التي يتمتع بها.

بدأت القصة عندما أزالت إدارة الفيسبوك منشور للكاتب النرويجي توم إيجلاند يعرض فيه مجموعة من الصور التي تمثل رعب الحرب، كان منها صورة الفتاة كيم فوك، تبلغ من العمر حينها 9 سنوات، وهي تهرب عارية من قصف بقنابل النابالم الحارق على قريتها خلال الحرب الفيتنامية.

Napalm Girl in Vietnam - Alvexo

وعلى الرغم من أن المنشور ضم سبعة صور مختلفة لأهوال الحرب وضحاياها، إلا أن الأثر الأكبر جاء من منع هذه الصورة بالذات، قبل أن تنطلق تظاهرة الكترونية عارمة حول العالم تنتقد سياسات الموقع.

فازت هذه الصورة في وقت سابق بجائزة بولتزر الصحفية عن فئة التصوير الفوتوغرافي، عندما أظهرت الصورة مجموعة من الأطفال الهاربين على الطريق الرئيسية لمنطقة ترانج بانج، في فيتنام الشمالية يحيط بهم بمجموعة جنود من الخلف.

واستطاع المصور نك آوت التقاط تلك الواقعة في يوم 8 يونيو 1972، لتساهم صورته تلك بشكل كبير في وضع حد للحرب بين قوات الفيتكونغ المدعومة من الصين ومعارضيها من قوات فيتنام الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.

large-facebook_warning_post

كيف تحدت وسائل الإعلام الدولية هيمنة الفيسبوك؟

لقد أشعل قرار الحظر جدلًا حادًا حول حرية التعبير وسياسة الخصوصية على شبكة الإنترنيت، حيث دافع موقع الفيس بوك عن قراره في بداية الأمر بالقول ” نحن ندرك أهمية الصورة والرمزية الكبيرة لها، إلا أنه من الصعب السماح لترك صورة لفتاة عارية في هذه الحالة وتميزها عن غيرها من الحالات المشابهة”

لم يعجب التبرير الكثيرين بطبيعة الحال فنشرت أكبر الصحف النرويجية رسالة مفتوحة إلى مارك زوكربيرغ على صفحتها الأولى، تحدث من خلالها مدير عام “صحيفة   افتنبوستن “ورئيس تحريرها اسبن ايغل هانسن بكثير من اللوم والعتب على موقع فيسبوك الذي أصبح أكبر مصدر للأخبار حول العالم، وقال مخاطبًا مؤسس الموقع مارك ” انا مستاء واشعر بخيبة أمل، بل أشعر حقيقة بالخوف مما قد تفعله لدعامة الديمقراطية في مجتمعنا”

وتابع اسبن هجومه على الملياردير الشاب مالك الفيسبوك متهمًا إياه بإساءة استغلال السلطة التي بين يديه كأقوى محرر في العالم، وتصرفه بطريقة مبتذلة وبدون تفكير، قبل أن يدعوه للعمل برقي أكبر.

في وقت لاحق من يوم الجمعة شرعت مجموعة كبيرة من وسائل الإعلام حول العالم بانتقاد إجراءات الحجب، وازداد تضامن الإعلامين ومشاركتهم بالحملة بشكل أكبر، ما دفع الفيس بوك للتراجع عن قراره على الفور لاستيعاب الموقف.

ونقلت صحيفة الغارديان بيان صحفي للموقع قيل فيه ” بعد أن استمعنا لجمهورنا، وراجعنا المعايير التي نتدخل من خلالها لتقيم هذه الحالات، تبين أن الصورة العارية لفتاة صغيرة عادة ما تنتهك معايير وقوانين مجتمعنا، حتى انها قد تعتبر مواد اباحية في بعض البلدان. لكن في هذه الحالة نحن ندرك الأهمية العالمية والتاريخية لهذه الصورة في توثيق لحظة معينة من الزمن”

وتابع البيان الصحفي أن ” فوائد السماح بمشاركة الصورة بين أفراد مجتمعنا الكبير، ستفوق قيم حماية المجتمع التي نتبناها ونعمل لأجلها، لذا أعدنا الصورة إلى صفحاتنا بعد أن تم إزالتها”

يبدو أن مكانة هذه الصورة كأيقونة ذات أهمية تاريخية، أعطت قيمة أكبر للمواجهة مع فيسبوك، الذي تعهدت إدارته بإعادة الصورة خلال أيام قليلة، كما كشفت أنه ستجري إعادة تقيم لسياسات الموقع بشكل يضمن تعزيز حرية التعبير جنبًا إلى جنب مع المحافظة على بيئة آمنة في المجتمع الإلكتروني.

large-facebook-message

الفيسبوك يتحكم بما تراه بطريقة متعمدة

يتزايد الاعتماد على الانترنيت في كل تفاصيل الحياة، وتجتهد محركات البحث في السيطرة على حركة الزوار الهائلة، كغوغل على سبيل المثال، التي تصف مهمتها في تنظيم معلومات العالم وتجتهد لإطلاق أنظمة تشغيل جديدة تهيمن فيها أكثر، لكن الأنظار تتجه اليوم إلى فيسبوك حيث يتنامى التوتر بينه و بين المؤسسات الإعلامية الدولية بسبب اعتماد ما يقارب من 44 % من البالغين في الولايات المتحدة على الموقع الأزرق للحصول على الأخبار. ما دفع إلى المزيد من التدقيق في أعمال ونشاطات الفيسبوك ليتبين أن بعض المقالات الواردة من وكلات الانباء المرموقة تحجب عمدًا عن المستخدمين.

تظهر عادة هذه المواد ضمن تصنيف الأكثر شيوعًا، لولا تدخل الموقع الذي طبق مؤخرًا خوارزمية برمجية سمحت بظهور القصص المزيفة والمبتذلة بدلًا منها. وكان الفيسبوك قد طرد منذ فترة قريبة مجموعة كبيرة من المحررين المسؤولين عن إدارة القصص الشائعة، ما جعل القضية تتفاقم وتشكل تهديدًا لسمعة الموقع، قام مارك زوكربيرغ على أثره بالاتصال بمجموعة من رؤساء التحرير في محاولة للسيطرة على الموقف.

لكن المبادرة لم تنجح تمامًا بل على العكس عادت الاتهامات لتظهر مع تفاعلات قضية الحجب الأخيرة، حيث رد اسبن ايغل هانسن رئيس تحرير صحيفة   افتنبوستن النرويجية بالقول” انت تقيد مساحة حريتي وعملي في ممارسة مهامي كمحرر يا مارك! هذا بالضبط ما تفعلونه الآن في فسيبوك” وتابع هانسن مقتبسًا حديث جورج أوريل في مقدمة روايته الشهيرة مزرعة الحيوانات” إن الحرية تعني شيء واحد هو أن تقول للناس ما لا يريدون سماعه”.

وختم هانسن ” يجب على كل محرر التفكير مليًا بالإيجابيات والسلبيات عند نشره للقصص، فهذا حق وواجب لجميع المحررين في العالم ينبغي عدم تقويضه عبر خوارزميات مشفرة صادرة عن مكاتب كاليفورنيا.

لقد أبدى الفيسبوك مرونة جيدة جدًا خلال أزمة صورة فتاة النابالم، والتقط بذكاء مشاركة أكثر من 180 ألف شخص حول العالم في التظاهرة الإلكترونية الأولى، والتي كان من الممكن لها أن تتحول إلى كرة ثلج تكبر كل يوم، لكن ممارسات إدارة الموقع لم تكن مثالية بالمطلق، فقد تم إيقاف حساب الكاتب النرويجي توم إيجلاند لانتقاده الفيسبوك بشكل مباشر، كما لجأت الرقابة في الموقع إلى حذف منشور كتبته زعيمة حزب المحافظين النرويجي إرنا سولبرغ على صفحتها على الفيسبوك دعت فيه إلى تصحيح سياسة الفيسبوك التحريرية، وقالت ” أنه من المؤسف للغاية كيف أصبحت شركات التكنولوجيا تتدخل في صفحاتنا الشخصية، وتغير تاريخنا المشترك”

لقد دخل الفيسبوك في مواجهة مع الزعيمة السياسية في النرويج التي انضم إليها عدد كبير من حكومتها، بعد أن علقت على قضية حجب الصورة بالقول أتمنى أن تسنح الفرصة لأطفال اليوم ليشاهدوا ويتعلموا من الأخطاء والأحداث التاريخية.

يذكر ان كيم فوك طفلة النابالم التي ظهرت في الصورة قبل حوالي نصف قرن، اضافت ثقلًا هامًا للقضية عندما انتقدت بعنف حجب الصورة وقالت ” أنها تشعر بالحزن لمن يعتبر انه ربما يتم التركيز على العري في الصورة التاريخية بدلًا من الرسالة القوية التي تنقلها” كما اشارت السيدة التي تعيش حاليًا في كندا مع زوجها وطفليها أنها تدعم بشكل كامل الصور الوثائقية على اعتبارها لحظات الحقيقة التي تختصر أهوال الحرب وآثارها على الضحايا الأبرياء.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة