يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن سيطرة الشركات العملاقة على الاقتصاد العالمي، حيث يتساءل خبراء الاقتصاد ومؤسسات الابحاث عن مخاطر عمليات التكتل والاندماج بين الشركات الضخمة، وابتعاد هيكلية الاقتصاد في الدول الكبرى عن الشركات الناشئة والصغيرة.

ويستشهد هؤلاء بالتجربة الأمريكية التي سمحت لمجموعة من الشركات العملاقة صاحبة الثروات الضخمة بالسيطرة على النظام السياسي في الدولة.

بدأ الحديث عن هذه المخاطر قبل أكثر من مئة عام، حينما حذر الرئيس الأمريكي روزفلت أثناء خطاب ألقاه في أوساواتومي-كنساس عام 1910 من هيمنة الاقتصاد الصناعي آنذاك على البلاد، وقال إن مجموعة من الشركات العملاقة تمتلك الثروات وتمارس سيطرة متزايدة على السياسة الأمريكية.


أما في يومنا هذا فتسعى الشركات للسيطرة على الأسواق العالمية عبر عمليات الاندماج، التي تخلق مؤسسات بحجم وأرباح أكبر تزيد من قدرتها على الاستئثار بنسبة أعلى من اجمالي الناتج المحلي للبلدان. كما تظهر على سبيل المثال أرباح الشركات الأمريكية أعلى بكثير مما كانت عليه في الماضي منذ عام 1929.

تقول دراسة ألمانية أن الشركات الأمريكية تسيطر على بورصات الأسواق في العالم بشكل لا مثيل له من قبل. وبحسب الدراسة التي أعدتها إي واي للخدمات الاستشارية مع صحيفة هاندلزبلات الألمانية فإن أقوى عشر شركات في العالم أمريكية الأصل منها شركة أبل للتقنيات الحاسوبية وشركة ألفا بيت المالكة لتحالف شركات تقنية منها غوغل.

وتعد هذه الشركات نجوماً راسخة في عالم الاقتصاد تتجدد كل حين، ولكن هذا لا يبعد دور شركات عالمية لبلدان أخرى من احتمالية السيطرة على الاقتصاد العالمي.big-dominating_the_world_and_running

من هي الدول المرشحة للسيطرة على اقتصاد العالم؟

تتصدر كل من الصين والولايات المتحدة والهند واليابان وألمانيا قائمة أكبر خمسة اقتصادات في العالم، ولا يعلم ما إذا كانت هذه الدول ستحافظ على مكانتها حتى عام 2030. إلا أن مجلس المخابرات الوطني الأمريكي نشر مؤخراً تقريراً يفيد بأن هناك مجموعة من الدول النامية ستحظى بأهميةخاصة في الاقتصاد العالمي وذلك عام 2030 منها البرازيل، إندونيسيا، كولومبيا، جنوب افريقيا، نيجيريا، مصر وتركيا.

وسيعتمد الاقتصاد الدولي على أداء هذه الدول بدل الدول الغربية المتقدمة، كما يتوقع تقدم الصين على الولايات المتحدة لقيادة الاقتصاد العالمي القادم، حيث تجاوزت الصين فعليا الولايات المتحدة وهي صاحبة الاقتصاد الأكبر في العالم بعد تجاوزها للمملكة المتحدة عام 1872.

تمتلك الصين حاليا أكبر ناتج محلي في العالم وتسعى عبر مشاريعها الدولية العملاقة للسيطرة أكثر، ولكن هذا لا يلغي من قوة الاقتصاد الأمريكي الأكبر على مستوى العالم، بل يتوقع استمرار هيمنتها عالمياً بسبب المزايا الكبيرة التي تتمتع بها على عكس الصين.

الولايات المتحدة الأمريكية لا تعتمد على الصناعات اليوم، بل على الخدمات وهي مرونة تغيب عن الاقتصاد الصيني، كما أن أمريكا قللت من اعتمادها على أسواق الطاقة العالمية في الشرق الأوسط، الأمر الذي عجزت عنه الصين.

ويبقى الخطر الذي يحدق بكل من الصين والدول الآسيوية الناشئة ليسقطها من الدول الخمس الأوائل في الاقتصاد العالمي هو ما يعرف بـ “فخ الدخل المتوسط” وهو الأمر الذي بات يشكل خطراً على اقتصادات الأسواق الآسيوية الناشئة.

يستخدم هذا المصطلح للتعبير عن الوضع الذي تمر به الدول عندما لا تجري تغييرات هيكلية تساعدهاعلى التقدم نحو اقتصاد ذي دخل عال. كما يدخل في الحسبان ندرة اليد العاملة وارتفاع أجورها، وهو الأمر الذي يولد عجزًا عن منافسة الاقتصادات ذات الدخل الأقل والمعتمدة على رخص أجور العمالة.

في الطرف الآخر تكون قلة الخبرات والاختراعات المتقدمة عامل ضعف جديد في منافسة الاقتصادات المتقدمة، وهنا تقع هذه الدول في فخ الدخل المتوسط لتلحق بهذه الدول ذات الاقتصاديات الضخمة والتقنيات المتطورة.

وتعد الدولة ذات دخل منخفض إن بلغت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 4000 دولار أمريكي، وتكون ذات دخل متوسط عندما تتراوح الحصة بين 4000 و1000 دولار وتصنف كدولة ذات دخل عال إذا فاقت حصة الفرد منها 10000 دولار.

ترى تقديرات صندوق النقد الدولي أن الهند ستكون بقعة مضيئة على خارطة العالم، بل ستتجاوز كلاً من البرازيل وبريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان، لتحتل المركز الثالث في الترتيب العالمي وستتصدر قائمة الدول بأكبر عدد من السكان القادرين على العمل، في حين أن اليابان ستشهد ركوداً اقتصادياً خلال السنوات العشر الأخيرة بعد أن طورت اقتصادها بكثافة خلال فترة التسعينيات.

ستحافظ الولايات المتحدة على مكانتها كأكبر اقتصاد عالمي ب 24.8 ترليون دولار قيمة الناتج المحلي الإجمالي، لكن الشركات والمؤسسات الأمريكية قد تكون أكبر المستفيدين حول العالم من التطورات الاقتصادية في السنوات القادمة والسر في عمليات الاندماج.

الشركات العملاقة مدعاة للقلق!!

يخضع تأثير الشركات العملاقة على الاقتصاد العالمي عند دراسته إلى مراقبة التجارب التاريخية السابقة، فالفرق ما بين الاعتماد على الشركات العملاقة الناتجة عن عمليات الاستحواذ والاندماج أو تنشيط المشاريع الصغيرة الناشئة ربما يكون بيت القصيد.

يقول معهد مكنزي العالمي للأبحاث أن 10% من الشركات العامة في العالم تولد 80% من جميع الأرباح، وتضيف إحصائيات المعهد أن مجموع الشركات التي تملك أكثر من مليار دولار كعائد سنوي، حققت ما يقارب من 60% من إجمالي الإيرادات العالمية و65% من القيمة السوقية.

مازالت عمليات الاندماج والاستحواذ تنمو عالميًا، ففي عام 1990 سجلت أكثر من 11.500 صفقة في هذا الإطار تعادل قيمتها الإجمالية 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما في السنوات التالية ومنذ عام 2008 وحتى اليوم ارتفع عدد الصفقات إلى 30 ألف عملية، لتصل قيمتها إلى حوالي 3٪ من اجمالي الناتج المحلي العالمي.

مؤخرًا سمحت سلطات مكافحة الاحتكار الأمريكية لشركة انهيزر-بوش InBev، والتي تعتبر واحدة من أكبر الشركات العالمية في مجال انتاج المشروبات، بتنفيذ صفقة استحواذ بقيمة 107 مليار دولار لضم شركة مماثلة ذات مكانة عالمية هي سابميلر (SABMiller)

تسيطر شركة انهيزر-بوش InBev على 20.1 % من سوق البيرة الأمريكية ويتم المضي في عملية استحواذ لتسيطر الشركة على بيرة كورونا الأكثر مبيعا في العالم.

يشير هذا إلى وجود اتجاه واضح في الولايات المتحدة الأمريكية نحو مزيدًا من تغول الشركات، وتؤكد البيانات الاقتصادية الحالة الجديدة. ويظهر من مراجعة قوائم فورتشن أن حصة مساهمة هذه الشركات في إجمالي الناتج المحلي تتزايد يومًا بعد يوم.

تقوم مجلة فورتشن بجمع وترتيب ثم نشر قائمة أعلى 100 شركة مساهمة أمريكية وتحدث هذه البيانات سنويًا بحسب إيرادات الشركة وعمليات اندماجها.

لقد ارتفعت المساهمة من حوالي 33% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1994 لتصل إلى 46٪ في عام 2013، في الوقت الذي تراجع فيه عدد الشركات المرشحة للإدراج إلى النصف تقريبًا بين عامي 1997 و2013، مع تسجيل 6797 ثم 3485 على التوالي. أما أرباح تلك الشركات عن نفس الفترة السابقة فقد انطلقت من 57 % إلى 63 %.

على ما يبدوا أن ثبات الاتجاه العام نحو الاندماج والتضخم للشركات هو المهيمن على الاقتصاد العالمي حتى اليوم، ويترافق الأمر بزيادة نفوذ وسيطرة الشركات وتوظيفها للسلطة في التحكم بالتجمعات التشريعية والنقابات والهيئات الرقابية، حيث لا يقتصر هذا السلوك على الولايات المتحدة بل يتعداه إلى الدول الخمسة الكبار.

يبقى أن نشير إلى التكنولوجيا هي من أكبر وأهم القطاعات التي تشهد عمليات الاندماج والاستحواذ حول العالم، يليها قطاع المال والمصارف ثم الصحة والصناعة أخيرًا، في حين كان قطاع الطاقة هو المهيمن على هذا الاتجاه قبل عشرة سنوات.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة