تواجه اليابان منذ سنوات طويلة من الزمن، مشكلة في ركود اقتصادها الوطني، اتسمت بالانخفاض الشديد في معدلات التضخم مع تباطؤ النمو المالي بشكل عام، حيث شهدت البلاد ما يعرف بالعقد الضائع الذي عانت فيه من ثلاث مشاكل رئيسية أولها ضعف النمو الاقتصادي المستمر منذ بداية التسعينيات، والذي ارتبط بشكل ما بانخفاض عدد السكان، مما أدى إلى تقليص الطلب في الأسواق.

وتشتهر اليابان بأنها من الدول ذات المعدل المنخفض في نسبة الولادات وكذلك في معدلات الهجرة إليها، يترافق ذلك في اتساع الشريحة العمرية للكهول فيها، بطريقة تجعل من وجود أعداد كبيرة من العجائز ميزة للشعب الياباني.

أما المشكلة الثانية فتتلخص في الانحدار لمستويات الطلب والانفاق المحلي الاستهلاكي، ما نتج عنه انكماش في الأسعار، عاد ليؤثر مرة ثانية على هبوط مستوى الطلب الإجمالي أكثر فأكثر، وخاصة في قطاع الأسرة التي قلصت من إنفاقها بهدف تخفيض المستوى العالي من الدين الذي كانت تعاني منه، وعلى أمل انخفاض الأسعار في المستقبل بقيت العائلات تتحفظ في الإنفاق بطريقة قلصت الاستثمارات في البلاد، قبل أن تبدأ أسعار الفائدة بالارتفاع.

محاولة الحكومة لحل المشكلتين السابقتين عبر اتخاذ تدابير تحفيزية تهدف لتقوية الطلب، خلق مشكلة ثالثة هي استفحال الدين الحكومي، فدخلت البلاد في دوامة الجمود لفترة طويلة، حتى جاء تعيين شينزو آبي في منصب رئيس للوزراء وذلك في ديسمبر عام 2012ليقوم بإحياء الاقتصاد الياباني من خلال اتباع سياسة اقتصادية ثلاثية الأبعاد على أمل تحقق نمواً مالي أسرع حيث سميت خطته ب بسياسات “أبينوميكس”.

 

 ماهي سياسة أبينوميكس لإنعاش اقتصاد اليابان؟

تعرف أبينوميكس بأنها عبارة عن خطة من ثلاثة أبعاد، تهدف إلى تخفيف القيود على السياسات النقدية أو ما يعرف بالتيسير النقدي، يتبعها تحقيق مرونة في السياسة المالية (التحفيز المالي)، وأخيراً الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الياباني من أجل انتشال الجزر اليابانية من حالة الركود الاقتصادي التي دامت لعقدين.

تشارك البعدان الأوليان (التيسير النقدي والتحفيز المال) في هدف واحد وهو زيادة مستويات التضخم إلى 2 بالمائة، على افتراض أن ذلك سيعزز الاستهلاك وأرباح الشركات بطريقة تنعكس على نمو الاستثمار على المدى القصير. وكانت الأدوات لتنفيذ الخطة تشمل بنك اليابان ووزارة المالية.

أما للحلول طويلة الأجل فصمم البعد الثالث ليحوي برنامج الإصلاحات الهيكلية الاقتصادية، وهدفه تحسين إمكانيات البلاد في المستقبل.

حدد البنك المركزي فور تسلم آبي للسلطة معدل التضخم المستهدف ب 2% في محاولة للابتعاد من انكماش الأسعار. وتبع ذلك تعديل شامل في إدارة البنك المركزي الياباني حيث تم تعيين محافظ جديد ونائبين له.

ولم تضيع القيادة الجديدة للبنك المركزي الوقت حيث أطلقت برنامجا ضخما لشراء الأصول (التيسير الكمي) خلال أول اجتماع لها في أبريل 2013 كما تبع ذلك جولة أخرى من التيسير الكمي في نوفمبر 2014.

 

كان التأثير الأولي لسياسة أبينوميكس إيجابياً نوعاً ما، خصوصاً برنامج التيسير الكمي حيث شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموا بنسبة %1.5 في 2013 ووصل تضخم أسعار المستهلك إلى نسبة %1.6 في شهر مارس 2014، وكان تجاوب التوقعات بشأن التضخم بشكل إيجابي مع التدابير الجديدة إشارة إلى أن الاقتصاد قد ينجو أخيرا من خطر انكماش الأسعار، ونتيجة لذلك، شعر صناع القرار بثقة أكبر للمضي قدما في تنفيذ الزيادة المخطط لها على ضريبة الاستهلاك من 5 إلى 8 بالمائة.

يعتقد القائمون على مركز “ستراتفور” الأمريكي للأبحاث أن آبي كان قادراً على صياغة السياسات المالية والنقدية التي قد تحسن أوضاع الاقتصاد الياباني، عبر العمل مع بنك اليابان ووزارة المالية، إلا أن الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد قد أثبتت مدى صعوبة تنفيذها، ولو بمساندة من أغلبية الحزب الديمقراطي الليبرالي.
ورغم ذلك، لايزال «آبي» يستخدم البنك المركزي الياباني كأداة أساسية لتنفيذ استراتيجياته. ففي أبريل 2013، أعلن البنك سياسات تيسير نقدي جديدة كمية ونوعية، للوصول لمستويات تضخم مستهدفة خلال عامين، وذلك عبر مضاعفة القاعدة النقدية خلال تلك الفترة.

اعتمد البنك المركزي في اليابان على ضخ تريليونات من الين في الاسواق فأشترى السندات الحكومية، ودعم صناديق الأموال ومنها صناديق الاستثمار العقاري اليابانية.
إلا أن ديون الحكومة ارتفعت بشكل كبير، ما جعلها تفكر في زيادة ضريبة المبيعات للحصول على عائدات كافية، لكن القرار الذي اتخذته الحكومة بزيادة الضرائب على المبيعات عام 2014، قد أدى إلى انخفاض الإنفاق الاستهلاكي وتراجع الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الفور دخل الاقتصاد في حالة من الركود، جعلت الحكومة تؤجل طرح زيادة جديدة على ضريبة المبيعات كانت تخطط لها، إلا أنها لم تتخلى عن الخطة الاقتصادية. 

 خطوات التخلص من الركود

قال البنك المركزي الياباني أنه سيتخذ مجموعة من القرارات لإعادة الأهداف إلى مكانها حسب الخطة وكذلك تعهد آبي بالقيام باجراءات جريئة في خريف هذا العام، لكن حقيقة الواقع الياباني تثبت أنه بحاجة إلى استراتيجيات أكثر دراماتيكية بحسب خبراء الاقتصاد وصناع القرار السياسي.الذين اقترحوا مجموعة من الخطوات -تبدو صعبة التنفيذ -للخروج من حالة الركود.

تمثلت تلك المقترحات بتوسيع حجم القوى العاملة من خلال توظيف وتشجيع المزيد من النساء للدخول في مجال العمل، مع السماح للعمال من كبار السن أن يحافظوا على فرص عملهم لمدة زمنية أطول، ثم مواجهة الشيخوخة الديموغرافية عن طريق الهجرة، إضافة لتوليد المزيد من العائدات للحكومة حتى تخفض من ديونها، وأخيراً إقامة تغيرات في السوق الصناعية تهدف إلى ممارسات أكثر مرونة وأجراً في سوق العمل.

وعلى الرغم من صعوبة تطبيق هذه المقترحات لعدة اسباب، فإن أثر الكارثة الاقتصادية إن حصلت في اليابان سيكون أصعب على الاقتصاد العالمي. حيث من المؤكد أن معاناة اليابان لن تكون معزولة عن العالم خاصة أن البلد يملك ثالث أكبر اقتصاد عالمي.

وعليه يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إيلاء اهتمام وثيق بهذه القضية –أكثر من الاهتمام بأزمة اليونان الاقتصادية – ثم التعامل السريع مع مشكلات اليابان الاقتصادية، لأن الديون الحكومية للبلاد ربما تصيب الولايات المتحدة بمقتل في حال عدم القدرة على الإيفاء بها، فالاقتصاد العالمي مترابط بشدة ولنا في مثال الأزمة الرهن العقارية أكبر دليل.

كانت اليابان قد عانت كسائر الدول المتقدمة من تبعات أزمة الرهن العقاري حيث انخفض إنفاق المستهلكين لديها وارتفع الين الياباني، الأمر الذي أدى إلى تراجع صادرتها وانهارت اسواقها وتراجع الطلب على السيارات فازدادت نسبة العاطلين عن العمل، الأمر الذي أدى إلى الإعلان الحكومة اليابانية عن انتهاء أطول فترة ازدهار اقتصادي للبلاد في سبتمبر 2008 .

يجب أن تسهم سياسة البنك المركزية والإنفاق الحكومي في اليابان في حل مشكلات البلاد، ولكن كيف يتم ذلك والاقتصاد قد دخل الركود للمرة الأولى منذ سبع سنوات. كما أن الهروب من فخ انكماش الأسعر ليس سهلًا كما يظهر، ويكون أصعب مع تعثر الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار السلع العالمية.

تجدر الإشارة إلى أن أسعار النفط وغيرها من حوامل الطاقة متدنية حاليًا كما أن ضعف الطلب العالمي، مع انخفاض أسعار السلع ستكون في قمة التحديات التي تواجه نجاح السياسات الاقتصادية اليابانية.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة