لم تتكشف بعد للعيان تداعيات نجاح الاستفتاء الشعبي حول خروج بريطانيا من التجمع الأوروبي، وخاصة على الصعيد الاقتصادي الذي كان الشاغل لكثير من المحللين الماليين بهدف فك طلاسم التوقعات الاقتصادية السوداوية، فمنذ اتخاذ القرار بالخروج من الاتحاد قبل شهر تقريبًا أصيبت البلاد بحالة من الشلل حيث تغيرت الحكومة وبدأت عملة البلاد تتراجع بشدة، ثم انعكست الأرباح المالية للشركات لتصبح خسائر متوقعة في قادم الأيام.

كل ذلك أنتج حالة من القلق تسود بين المستثمرين في ظل انعدام الرؤية الواضحة لطريقة العمل الجديدة، والتي من المفترض أن تنتهجها البنوك والمؤسسات المالية البريطانية، وكيف سيتصرف البنك المركزي تجاه أسعار الفائدة. في الوقت نفسه تتجه الأنظار إلى قطاع العقارات التجارية مع فقدان كميات ضخمة من الأموال المستثمرة فيه.

وعليه فلن تساعد الإعلانات المتتالية لمعظم البنوك حول نتائج أعمالها للربع الثاني من هذا العام في التخفيف من الترقب أو الحذر، بل يعتقد على صعيد واسع أن حالة التريث ستستمر لفترة أطول من المتوقع، مع الانتباه إلى أن زيادة خفض التكاليف سيكون الهدف الأول لهذه المؤسسات، والتي بالفعل تعمل على ذلك قبل نجاح الاستفتاء حتى.

تمتلك البنوك الخمسة الرئيسية في المملكة المتحدة خططًا وبرامج لخفض التكاليف، يقدر إجمالي المبالغ التي تحاول هذه المصارف توفيرها 15 مليار جنيه إسترليني، ويعتمد أغلبها على إغلاق فروع وتسريح موظفين على الرغم من انتعاش أسعار النفط وسوق السندات، إلا أن التوقعات بقيام بنك إنكلترا المركزي بتعديل أسعار الفائدة استجابة للوضع الجديد للبلاد تشكل ضغطًا من نوع خاص.


أغلب الظن أن يقوم البنك المركزي بتخفيض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد من خلال تحفيز النمو ومواجهة مخاطر التضخم، هذا سيعني بالتالي قيود جديدة على هوامش الإقراض لبنوك مثل لويدز(Lloyds Banking Group)،و باركليز (Barclays Bank)، و مجموعة رويال أوف سكوتلاند المصرفية (Royal Bank of Scotland Group). مراجعة التوقعات والحالة السيئة للنمو ستكون على قائمة أعمال لجنة السياسة المالية في البنك، التي ستحاول تجهيز حزمة من الإجراءات التحفيزية مع الاخذ بالاعتبار تراجع الجنيه الإسترليني الكبير.

كان الباوند البريطاني قد خسر ما لا يقل عن 7 بالمائة من قيمته أمام عشرة عملات عالمية رئيسية منذ قرار الانسحاب، الأمر الذي دفع خبراء الاقتصاد لتوقع ارتفاع الأسعار في البلاد بحسب استطلاع لقناة بلومبيرج المتخصصة. أظهر الاستطلاع أيضًا ارتفاع نسبة التضخم إلى 2.2   في المئة خلال الربع الثاني من العام المقبل، وهو ما يشير إلى تجاوز النسبة التي يستهدفها البنك المركزي عند 2 بالمائة فقط.

ما الذي ستفعله البنوك البريطانية بعد ترك الاتحاد الأوروبي؟

للأمانة لا يوجد الكثير لفعله، فقد خفضت معظم البنوك توقعاتها بشأن الأرباح منذ ذلك الحين، وركزت على خطط تخفيض النفقات عبر تبسيط الأعمال وإغلاق الفروع وتسريح الموظفين، فمثلا مجموعة لويدز المصرفية (Lloyds Banking Group) تدرس إمكانية خفض الوظائف لديها ليتجاوز العدد 9 آلاف وظيفة، وهو أكثر مما كانت تطمح إليه.

لكن الخبير المالي البريطاني ايان غودرن يعتقد أن جميع الخطط الحالية لخفض التكاليف لن تكون ذات جدوى في المصارف البريطانية، وبالتالي هي لن تحقق عوائد طبيعة على أصحابها خلال المدى المنظور، ويتابع غودرن بالقول ستزداد وتيرة إغلاق فوع المصارف.

من المؤكد أن هذا الإجراء سينعكس على تكلفة التشغيل بطريقة تظهر للمستثمرين عائدًا أكبر على رأس المال، لكن هذا ليس صحيحًا تمامً، فبحسب التقارير الاقتصادية التي ظهرت مؤخرًا في بريطانيا تقلص النشاط التجاري في أسرع وتيرة له منذ سبع سنوات، أي بلغة أوضح منذ الركود الأخير الذي تبع الأزمة المالية العالمية.

لقد أشارت تلك التقارير أن قطاع الخدمات الذي يعتبر الجزء الأكبر من الاقتصاد البريطاني قد تضرر بشدة، ما دفع ببنك بريطانيا المركزي للتلويح بإطلاق برنامج تحفيز في شهر أغسطس / آب، قد يشمل المزيد من التيسير الكمي وخفض أسعار الفائدة التي تقف عند مستويات منخفضة أصلًا تبلغ 0.5 بالمائة.

لكن المصارف في بريطانيا ليست من أنصار خفض معدلات الفائدة، لأن ذلك سيضر بهامش صافي الفائدة لديها، وهو الفرق الذي يحصل عليه البنك كربح من عمليات الإقراض التي يقوم بها وتكلفة الاقتراض، فالقروض تدرس وتخطط برامجها في المصارف الخاص بالاعتماد على سعر الفائدة الأساسي الذي يفرضه البنك المركزي.

وكان الرئيس التنفيذي لرويال بنك أوف سكوتلاند (Royal Bank of Scotland Group) روس ماكواين قد القى باللوم على انخفاض سعر السهم لمصرفه بنسبة بلغت 23 بالمائة على توقعات أسعار الفائدة.

ومن الخسائر التي لا تملك المصارف فيها حولًا ولا قوة أيضًا، فقدان قوانين وسماحيات الوصول إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، تلك القوانين التي كانت تعطي الحق للعاملين في القطاع المصرفي البريطاني والشركات المالية مثل باركليز الحق في الوصول إلى خدمة العملاء في أماكن متفرقة في الاتحاد الأوروبي.

وفي حال غياب هذه التسهيلات سيكون أمام إتش إس بي سي (HSBC)مهمة نقل 1000 موظف إلى بلدان أوروبية، مع تحمل الأعباء المالية الناتجة عن ذلك، في الوقت الذي يتوقع فيه المحلل المالي جوزيف ديكرسون أن تنخفض أرباح بنك باركليز  (Barclays Bank) بنسبة 68 بالمائة و رويال بنك أوف سكوتلاند (Royal Bank of Scotland Group) بنسبة 50 بالمائة ومجموعة لويدز المصرفية بواقع 24 بالمائة خلال العام القادم 2017 .

سوق العقارات البريطاني

من المتوقع ان يشهد سوق العقارات في المملكة المتحدة أثرًا سلبيًا مع خروج بريطانيا وحالة المصارف الراهنة، حيث بلغت قيمة إجمالي القروض في قطاعات العقارات والبناء 214 مليار جنيه إسترليني ما يعادل 283 مليار دولار أمريكي في نهاية شهر أيار، أي قبل التصويت على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بشهر واحد.

وتقول بيانات صادرة عن بنك إنجلترا أن رويال بنك أوف سكوتلاند لديه أعلى نسبة من قروض سوق العقارات التجارية في لندن، بنسبة 66 بالمائة تليه مجموعة لويدز المصرفية بواقع 46 بالمائة. حجم التعرض الكبير للمصارف تلك سيفترض خطط احترازية. حيث يعتقد المحلل المالي المتخصص في قطاع الاستثمار المصرفي جوناثان تيسي ” سيتم بالطبع التدقيق في خطط لتوفير أو التخفيف من التعرض لسوق العقارات التجارية بقيمة عشرات المليارات بغض النظر في صحة القرض أو ما كانت عليه قيمتها سابقًا.

الأمر الذي استبقته سبعة صناديق تمويل متخصصة، فأوقفت التداول في سوق العقارات لتجنب حركة البيع العنيفة للعقارات بغرض سداد الديون.

لم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي امر سيء لجميع البنوك في لندن، فبنك إتش إس بي سي هولدنجز  HSBC Holdings Plc وستاندرد تشارترد Standard Chartered ارتفعت أسهمها. في الوقت الذي عانت فيه هؤلاء المقرضين من تباطؤ الاقتصاد الصيني.  لكن هذا العام، سيساعد ضعف الجنيه مقابل الدولار الأمريكي في تحقيق الأرباح، حيث يقول المحللين المالين أن العمل في الأسواق الآسيوية شيء جيد من ناحية التنويع المفيد بعيدا عن أوروبا. تقرير الشركتين سيصدر في 3 أغسطس

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة