العلاقات الاقتصادية بين الصين وإيران ليست جديدة بل تعود إلى سنوات طويلة مضت، لكن تلك العلاقة توطدت بالتدريج منذ عام 1979 حين فرضت أولى العقوبات الدولية ضد إيران، حيث ساهمت في تطوير العلاقة وتبني الصين لسياسة “الباب المفتوح” في اقتصادها.

الشراكة الاقتصادية تقدمت نحو الأمام لكنها تسارعت بشكل كبير في فترة العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني ما بين 2006 و2016 إذ أصبحت الصين بدون منازع المستثمر الأول والشريك التجاري الأقوى لإيران في العقد المنصرم.

عام 2016 شهد رفع العقوبات عن إيران بعد التوصل لاتفاق مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي، وهنا بدأت إيران بالعمل للتخلص من الاعتماد الكبير على الصين ومحاولة البحث عن شركاء اقتصاديين آخرين.

وزير النفط الإيراني السابق منصور موزامي قال إن “الصين حصلت على استثمارات كافية في إيران، وسنوفر فرصاً للآخرين” لكن لا يبدو أن الآخرين الذين تحدث عنهم موزامي جاهزون بالفعل، فإيران وجدت نفسها أمام شراكة لا بديل عنها مع الصينيين.


فرغم رفع العقوبات عن إيران إلا أن المستثمرين الأوروبيين مازالوا مترددين في دخول سوقها خصوصاً أن بعض العقوبات (غير النووية) لازالت سارية، كما أن العديد من الشركات الأوروبية تخشى أن تشملها بعض بنود تلك العقوبات في حال تعاملها مع إيران.

الصين استغلت ذلك التردد بشكل مثالي، كذلك فعلت في عدة بلدان، عبر الاستمرار في تنمية أعمالها الضخمة أساساً في الاقتصاد الإيراني ومحاولة إبعاد أي منافس ممكن لها داخل واحد من أكبر الأسواق الناشئة في العالم.

INDONESIA-CHINA-IRAN-PRESIDENTS-MEETING

أرقام كبيرة ومشاكل نفطية، ما الذي يحصل بين الشريكين؟

الشركات الصينية تدفقت إلى إيران في العقد الماضي لتعمل في مختلف المجالات الصناعية والتجارية كصناعة السيارات والإلكترونيات، إضافة لشركات الاتصالات والبرمجيات، وتأتي في رأس القائمة شركات النفط والطاقة.

التعاون الاقتصادي بين البلدين نما بشكل كبير إذ وصل التبادل التجاري بينهما إلى 51 مليار دولار في عام 2014، كما تحول المجلس الصيني-الإيراني للتجارة والصناعة من مؤسسة صغيرة تضم 65 عضواً إلى مؤسسة كبرى تملك أكثر من 6000 عضو وتدير عمليات اقتصادية كبرى.

لكن كلا الطرفين كان له نشاطاته التي تسبب الإزعاج للآخر، فالصين رغم كونها المستثمر رقم واحد في إيران إلا أنها دائماً ما اتجهت نحو السعودية لزيادة وارداتها من النفط، وهو ما سبب انزعاجاً لدى الإيرانيين، كما أن التبادل التجاري الصيني السعودي وصل إلى 67 مليار دولار أمريكي في سنة 2014.

الإيرانيون بدورهم بحثوا دائماً عن شريك اقتصادي قوي غير الصين، ذلك التنين الاقتصادي الكبير، ثم أظهروا تردداً تجاه العلاقة معها خصوصاً مع انتقال السلطة من المعتدلين للمحافظين أو العكس، وفي أكثر من مرة تخلت إيران عن مشروعات مع الصين متعلقة بالطاقة النووية والنفط مقابل تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

فترة حكم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد كانت الأفضل للصين داخل إيران، إذ حققت جميع مكتسباتها خصوصاً في استثمار آبار النفط وأبرزها آبار أزاديجان الشمالية والجنوبية والتي تقع جنوب غرب إيران على الحدود مع العراق.

الخلافات الكبيرة بدأت في عهد الرئيس حسن روحاني، حين بدأ الإيرانيون يشتكون على العلن من سياسات شركات النفط الصينية ووصلت إلى الذروة حين قرر وزير النفط الإيراني بيجنن زنغنه إنهاء عقد الشركة الصينية الوطنية الدولية للبترول CNPCI في حقل أزاديجان الجنوبي.

زاد الطين بلّة تغريم منظمة بيئية حكومية للعمال الصينيين بسبب تناولهم نوع من السلاحف المهددة بالانقراض في المناطق المحيطة بحقل أزاديجان للنفط، وهو ما أظهر وجود توتر وتململ كبيرين بين الحكومة الإيرانية والشركات الصينية.

shutterstock_340818422

العودة الاضطرارية

الشركات الغربية وعلى رأسها Shellالتي بدأت باستخراج النفط من القسم العراقي لحقل أزاديجان، وضعت ضغطاً رهيباً على الإيرانيين الذين لم يتمكنوا من إيجاد بديل غربي للشركة الصينية للعمل في الحقل.

معدلات الاستخراج عند العراقيين وصلت إلى أكثر من 200 ألف برميل في اليوم، ولذلك اضطر الإيرانيون لتصحيح أوضاعهم مع الشركات الصينية للعودة إلى العمل، وهو ما يتطلب عقوداً جديدة لابد أن تمر إما عبر تكتل تابع للحرس الثوري الإيراني أو عبر تكتل آخر تابع للمرشد الأعلى علي خامنئي.

العمل في حقل أزاديجان عاد لنشاطه بعد عودة الشركة الصينية CNPCI للعمل ووصل الإنتاج إلى 75000 برميل في اليوم بحسب العقود الجديدة، وهو رقم رغم صغره أمام المعدلات التي تحققها الشركات الغربية بفضل التكنولوجيا إلا أنه يبقى أفضل من إيقاف العمل في تلك الحقول.

أزمة حقل أزاديجان لخصت وجود فجوة كبيرة وخلافات مستمر في العلاقة الاقتصادية بين الصين وإيران، كما دلت على أن إيران لم تعد الخيار الأول للكثير من المستثمرين الصينيين وليس فقط الغربيين.

باختصار يمكن القول إن العلاقة الاقتصادية الصينية الإيرانية ليست بالقوة التي تبدو عليها في الكثير من وسائل الإعلام خصوصاً الغربية، بل إنها لا تختلف عن علاقة الصين ببعض دول الشرق الأوسط بل وقد تكون أضعف منها، وهي بالنسبة للإيرانيين ليست سوى علاقة شراكة لحين توفر شريك اقتصادي آخر!

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة