منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والعالم يشهد صراعاً على النفوذ بين القوتين الأكبر وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقاً، والذي رغم سقوطه في التسعينات استعاد قوته ضمن روسيا الاتحادية التي أعادت فرض نفسها كقوة كبرى في العالم.

العامان الماضيان شهدا تصاعداً كبيراً لهذا الصراع في العديد من المناطق مثل البلقان وأوكرانيا، وبلغت المنافسة على النفوذ بين البلدين أشدها في الصراع على الشرق الأوسط الذي يشهد اضطرابات كبيرة منذ عام 2011.

الهدف الرئيسي لروسيا من محاولة تعميق نفوذها في الشرق الأوسط هو استعادة مصالحها الكبيرة في المنطقة والتي كانت تملكها إبان الحرب الباردة مع أمريكا، وكذلك إبعاد الولايات المتحدة الأمريكية عن مناطق نفوذها في البحر المتوسط وخصوصاً سوريا.

فيما كان ولا زال هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو الحفاظ وتطوير علاقاتها الاقتصادية المتينة التي تجمعها بالعديد من دول الشرق الأوسط مثل دول الخليج العربي ومصر، حيث تملك الولايات المتحدة استثمارات متبادلة مع هذه الدول بمليارات الدولارات، إضافة للقواعد العسكرية الاستراتيجية والنفوذ السياسي الكبير.

كل تلك المعطيات توضح سبب تجدد الصراع على الشرق الأوسط بين البلدين باعتباره منطقة استراتيجية هامة من النواحي الاقتصادية والسياسية، لكلا البلدين.

هل حققت روسيا تقدماً كبيراً؟

روسيا استطاعت نقل الصراع على الشرق الأوسط إلى مرحلة مختلفة كلياً، حين أعلنت تدخلها العسكري المباشر في سوريا في عام 2015، للوقوف إلى جانب النظام السوري، وهو التدخل المباشر الأول لها في الشرق الأوسط منذ حرب أكتوبر 1973، لحماية قاعدتها العسكرية الوحيدة في المنطقة.

Bullets for Syrian Civil War - alvexo

هذا التدخل استمر عبر قيام روسيا بتجريب العديد من المعدات العسكرية في سوريا، ومن بينها أحدث دباباتها الحربية التي أبرمت بشأنها العديد من صفقات البيع لدول الشرق الأوسط.

التمدد الروسي في الشرق الأوسط استمر عبر استغلالها البرود الذي شهدته علاقة أمريكا بواحدة من أهم حلفائها في المنطقة وهي تركيا، لتدخل روسيا على الخط وتعمل على تطوير العلاقات المتبادلة مع تركيا.

العلاقة الروسية التركية التي توترت بشكل شديد أثناء أزمة إسقاط الطائرة الروسية في سوريا سنة 2015، عادت لوضعها الطبيعي بعد أن وجد الطرفان مصلحة مشتركة للتنسيق في سوريا لتحقيق أهدافهما الخاصة دون أي تنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية التي وقفت إدارتها متفرجة!

مصر أيضاً هي واحدة من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التي دخلت روسيا للعمل معها وإبعادها عن أمريكا، فمصر التي كانت حليفاً أساسياً لأمريكا منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات، بدأت بالابتعاد عن الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

هذا التباعد استغلته روسيا حيث وقعت اتفاقاً مع مصر حول المعدات العسكرية بعد أن أوقفت أمريكا الدعم العسكري للجيش المصري، كما التقى الرئيسان السيسي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين لأكثر من مرة، ودعم السيسي علنياً توجهات روسيا في سوريا لدعم النظام أمام المعارضة.

أمريكا البطيئة!

كل تلك التقدمات الكبيرة التي حققتها روسيا في الصراع على الشرق الأوسط سواء على الصعيد السياسي أو العسكري، قوبلت باستجابة سلبية وبطيئة جداً من إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

Trump and the Middle East - alvexo

الإدارة الأمريكية بدت وكأنها متفاجئة من التحركات الروسية ولم تبد أي استجابة سوى إعلان نيتها التدخل العسكري في سوريا في عام 2014، وهو اقتراح سرعان ما تراجعت عنه معرضة نفسها لانتقادات شديدة.

تلك الاستجابات البطيئة والمترددة شجعت الحكومة الروسية على الاستمرار بتقوية نفوذها في الشرق الأوسط، خصوصاً في الفترة التي سبقت الانتخابات الأمريكية ووصول إدارة جديدة في الولايات المتحدة الأمريكية.

الإدارة الجديدة برئاسة دونالد ترامب، تبدو في الغالب أكثر حيوية فيما يتعلق بالشرق الأوسط، وذلك ضمن منطلق اقتصادي بحت خصوصاً بسبب الخلفية الاقتصادية والمالية التي يملكها الرئيس الجديد.

السياسة الجديدة لإدارة ترامب ستحركها في الغالب استثمارات رأس المال في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تملك السعودية والإمارات فيها اليد العليا خصوصاً مع إعلان مجموعة SoftBank اليابانية أن مشروعها الجديد الذي سيبلغ رأسماله 100 مليار دولار سيستثمر 50 مليار في أمريكا، وتملك السعودية 45 مليار دولار من المشروع فيما تملك مجموعة مبادلة الإماراتية 15 مليار دولار.

دونالد ترامب وإدارته عليهم أن يكونوا أكثر سرعة واستجابة للتعامل مع التمدد الروسي الكبير في الشرق الأوسط، ومحاولة استعادة العلاقات القوية مع دول مثل مصر وتركيا، إضافة لحماية علاقاتهم المتينة مع دول الخليج، وإلا فإن أمريكا قد تشهد انحساراً غير مسبوق لنفوذها في الصراع على الشرق الأوسط!

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة