هل تبدو الإمارات العربية لك كفتاة مدللة، تنام بحلمٍ وتستيقظ على تحقيقه! هذا بالطبع ما توحي به سرعة نموّها الرهيبة، والتي جعتلها في مصاف الدول الأولى عالمياً في الكثير من المجالات التكنولوجيا، الرفاهية، العمارة والكثير غيرها، كمجال الطيران على سبيل المثال.

ففي مجال الطيران وحده تستطيع الخطوط الجوية الإماراتية أن تروي لنا حكاية طويلة من العمل الشاق الذي كان على إمارة دبي ولا يزال عليها أن تبذله، كي تصل إلى القمة، ومن الإصرار كي تحارب للبقاء فوقها.

فأن يكون لديك إمارة ذات مساحة لا تتجاوز الـ 4150 كم متر مربع، لكنها تشغل واحداً من أكثر المواقع استراتيجية في العالم، وأن تملك طموحاً عالياً جداً، كل ذلك يعني أنّ نصف الطريق قد مُهد لك لتمتلك واحداً من أفضل المطارات في العالم، لكن العمل وحده من يضمن لك البقاء على القمة في ظل منافسة شرسة من قِبل المسيطرين العالميين السابقين والحاليين على هذه الساحة، وهذا ما كان من نصيب دبي على مرّ السنوات السابقة ولا يزال حتى الآن.


بشكل مشابه للصورة التي تحرص دبي بشكل مستمر على إبرازها في وسائل الإعلام ووسائل التواصل، والتي تحتوي على مقارنة بين ثمانينيات مدينة دبي ببنائين متطاولين وسط أرض قاحلة، إلى المدينة اللامعة التي تصاعدت شهرتها مع بدايات الألفية كل يوم عبر ملايين الصور الجذّابة. بالطبع هي رسالة دبي التي تريد أن تخبرنا باستمرار أنها مدينة تسابق الزمن لتحقق طموحات عالية وشجاعة، كما تفعل دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل عام.

كيف كانت بدايات الخطوط الجوية الإماراتية، وأين هي اليوم؟

إذن، على غرار تلك الصورة أيضاً كانت بدايات طيران الإماراتية من مطار دبي أواسط ثمانينيات القرن الماضي، برأس مال بلغ 10 ملايين دولار مع طائرتين مستأجرتين من باكستان للعمل على الخطوط الجوية الإماراتية حينها فقط، ضمن مطار صحراوي قاحل، تحوّل في غمضة من أعيننا إلى واحد من أكثر المطارات اكتظاظاً في العالم، حيث حصل على العدد الأكبر من المسافرين الدوليين خلال النصف الأول لعام 2016، بما يزيد عن 40.5 مليون مسافر، الرقم الذي تنوي مؤسسة مطارات دبي “دي إكس بي بلس” لزيادته من 100 حتى 118 مليوناً سنوياً بحلول 2023، أي ما يقدّر بحوالي ضعفي استطاعة مطار جون ف.كينيدي اليوم.  ما يبرز أهمية المطار كوجهة ربط عالمية، تمثّل طموح الإمارة بأن يكون المطار “مركز دبي العالمي”، والذي سيستمر بلعب دور في غاية الأهمية بالنسبة لحركة الطيران العالمية.

united arab emirates airline - alvexo

تقول بحوث علمية إنّ ثلثي البشر على سطح الأرض، يتوزّعون على دائرة نصف قطرها يتطلّب ثماني ساعات من الطيران، وصعود خطوط الطيران الإماراتية لمنافسة الشركات المخضرمة الأكثر بروزاً في نصف قطر هذه الدائرة، يجعل العيون مفتوحة أكثر فأكثر على هذه المدينة العالمية الصغيرة. ولعل العوامل الاقتصادية والجاذبية الجغرافية هي أهم أسباب وصفة نجاح مطار دبي الذي يبعد مقدار نصف ساعة عن مركز مدينة دبي وأبراجها التجارية والسياحية الشاهقة والتي دخلت أيضاً إلى ماراتون الأرقام القياسية العالمية، مع تصنيف برج خليفة كأطول برج شيّده الإنسان على وجه الأرض حتى الآن.

أبرز 3 تحدّيات تواجه ازدهار طيران الإمارات

التحدّي الأول: تباطؤ الطلب الإقليمي بسبب الظروف السياسية

لابد أن عام 2016 لم يكن الأفضل للخطوط الجوية الإماراتية، مع إعلان تراجع أرباح الشركة في نوفمبر الماضي إلى 214 مليون دولار عن فترة الأشهر الستة المنتهية في سبتمبر 2016 بانخفاض 75% عن الفترة نفسها من عام 2015، ما أثّر سلباً على بعض خطط التنمية المطروحة سابقاً، وسط تراجع الطلب على الخطوط الجوية الإماراتية من تركيا، سوريا، ليبيا، تونس، بعد سقوط الكثير من معالم هذه البلدان عن خارطة الوجهات السياحية العالمية الموجودة في المجال الإقليمي للإمارات، وتراجع الاستقرار السياسي في المنطقة بشكل عام، كل ذلك أثّر بشكل سلبي على حركة الطيران العالمية، وكان للخطوط الإماراتية نصيبها بقدر ما حجزت لها من حصّة في هذا الحقل.

التحدّي الثاني: تصاعد حدة دفاع الخطوط الجوية الأمريكية عن مكانتها العالمية

لابد أنّ التحدّي الأكبر لخطوط الطيران الإماراتية اليوم، يكمن في الولايات المتحدة. إذ أنّ دخول الإمارات على خط المنافسة في مجال الطيران عَنى أن توضع في مواجهة مباشرة مع المنافس الأضخم والأكثر ربحاً في العالم ضمن هذا الحقل. ورغم ذلك فقد دخلت الإماراتية للطيران إلى السوق الأمريكي وهي اليوم تُسيّر رحلات إلى 11 مدينة أمريكية، من أورلاندو، لسياتل ودالاس وبوسطن وغيرها.

كل ذلك أدى إلى تصاعد حملات الضغط الأمريكية ضد الإمارات والمنافسين الآخرين ضمن سوق الطيران. وتسعى هذه الحملات بشكل أساسي إلى الحدّ من وصول هؤلاء المنافسين للمطارات الأمريكية، بحجّة أنّ هذه الاستثمارات الأجنبية تهدد فرص العمل في السوق الأمريكية، الأمر الذي تلاقى مع وجهة نظر الرئيس الأمريكي المُنتخب أخيراً؛ دونالد ترامب، ومع جهود ضغط مماثلة في السوق الأوروبية أيضاً. كل هذه العوامل لابد أنها ستؤثر على عمل الإماراتية للطيران إن لم يتم التعامل مع معها بشكل دقيق وسريع.

التحدّي الثالث: الترويج للمزيد من الرفاهية خلال الرحلات الجوية

قد يبدو الأمر وكأنه طبيعياً أو لا يرقى فعلاً ليكون تحدّياً بجوار التحديات الأخرى، فالرفاهية صفة لصيقة منذ أعوام بإمارة دبي على النطاق العالمي. إذ لا تزال الأصوات المعارضة ترتفع في وجه رئيس الإماراتية للطيران تيم كلارك، الذي سعى إلى تزويد طائرات إيرباص طراز A380 ببارات فاخرة للمشروبات المتنوّعة. يقول المعارضون إنّ المسافرين لن يكلّفوا أنفسهم عناء استخدام أشياء باهضة كهذه، حتى وإن سافروا على متن مقاعد الدرجة الفاخرة.

فضلاً عن معارضة البعض لتزويد مقاعد هذه الدرجة بكابينات استحمام، لأنها تتطلب إقلاع الطائرات محمّلة بأكثر من 2 طن من المياه الصالحة لتكفي الرحلة الواحدة، إلا أنّ كلارك مصرّ على هذه الخطوات، لدرجة اعترافه بأنه عمل “بشكل تآمري” من وراء ظهور المديرين التنفيذيين لمطوّري إيرباص، كي يضيفوا هذه التفاصيل إلى الطائرات قبل تسليمها إلى الخطوط الجوية الإماراتية.

luxury accomodations for you - alvexo

يبدو اليوم أنّ الخطوط الجوية الإماراتية تشقّ طريقها بثقة في عالم الطيران على نطاق عالمي، رغم الظروف المحيطة من ظروف سياسية غير مستقرّة، وحروب منتشرة في عدد من الدول الإقليمية، فضلاً عن الانخفاض الحاد في أسعار النفط الذي أدّى إلى تدهور في اقتصادات بعض الدول الجارة.

ولا ننسى حدّة المنافسة سواء على النطاق الإقليمي أو العالمي. إلا أنّه يبقى أفضل مثال تحذيري في مجال المنافسة، تقدّمه تجربة شركة طيران كانتاس الأسترالية، والتي فشلت في الاستمرار بمنافسة شركات الطيران الخليجية على الخطوط المؤدية إلى أوروبا، وذلك بعد أن خسرت ملايين الدولارات، قبل أن ترفع يديها مستسلمة للأمر الواقع في عام 2012، ثم غيّرت من خططها ودخلت في تحالف شامل مع كلارك، ليصبح معظم ركّابها المتّجهين إلى أوروبا، يسافرون على متن رحلات الخطوط الإماراتية للطيران عبر دبي.

ومع ذلك كله يبدو أن الخطوط الإماراتية تريد التروّي قليلاً قبل تفعيل خطط رفع أعداد المسافرين على متنها، إذ قررت مجموعة طيران الإمارات المالكة للخطوط الإماراتية مع نهاية 2016 توقيع اتفاق مع شركة الأوروبية إيرباص، لتأجيل تسليم 6 من طائرات إيرباص طراز A380، من عام 2017 حتى 2018، و6 أخرى إلى 2019 عوضاً عن 2018.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة