عقدت دول مجموعة العشرين اجتماعها في مدينة هانغتشو في الصين، خلال يومي الرابع والخامس من شهر سبتمبر الحالي، وذلك لبحث المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي واتخاذ خطوات عملية لدفع عجلة النمو ومواجهة الاضطرابات التي يشهدها سوق العملات وتعزيز التجارة والاستثمار مع تفادي النزعة الانعزالية التجارية.

وافتتحت القمة بتحذيرات الرئيس الصيني شي جين بينغ من الخطر الذي يتعرض له الاقتصاد العالمي نتيجة تصاعد الحركة العدائية ضد حرية التجارة وارتفاع الديون، حيث دعا في كلمته إلى اتخاذ خطوات لتعزيز التجارة والاستثمار وتفادي الحماية التجارية وتحقيق اقتصاد عالمي ابتكاري ونشط ومترابط وشامل.

وتعد تصريحات بينغ استكمالاً لما طرحه اجتماع الدول الذي سبق انعقاد القمة يوم السبت، حيث أسفر عن تحذيرات لثلاثة من كبار رؤساء المنظمات الدولية من المخاطر التي تنتظر مستقبل الاقتصاد العالمي نتيجة صعود الأحزاب السياسة المعادية لحرية التجارة في الكثير من الدول المتقدمة.

وبحسب تقديرات مراكز الأبحاث الاقتصادية فإن نمو الاقتصاد العالمي تراجع في السنة الماضية إلى 2.7 بالمائة في حين من المتوقع أن يستمر هذا التراجع إلى 2.4 هذا العام، قبل أن يعاود الارتفاع في العام المقبل إلى 3 بالمائة، وصولًا إلى 3.1 عام 2018.

ما هي مشكلة التجارة الحرة التي تواجهها القمة؟


تطالب مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد رؤساء الشركات العالمية، بالضغط على الحكومات لضمان حرية التجارة، وتدفق السلع عبر الحدود، وتحذر الخبيرة العالمية من انتشار معاداة التجارة، وهو ما تعتبره معاداة للتنمية المحلية ولحركة رؤوس الأموال، وخلق الوظائف والنمو.

حيث ظهرت في الفترة الأخيرة تيارات سياسية في أكثر من مكان حول العالم، وصفت بالحملات الحمائية أو الانعزالية التي تهدف إلى منع تدفق التجارة الدولية، وتقليص عبور الاستثمارات والسلع والخدمات والعمالة للحدود بين الدول. يقول رواد هذا المنهج أنه لا يجوز السماح بسيطرة رأس المال الأجنبي على مشاريع البنية التحتية، والخدمات والممتلكات في الدول الوطنية.

هذا بالضبط ما أشارت إليه لاغارد عندما وصفت أجواء الاحباط الناتجة عن تعثر اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP)، والتي تقودها الولايات المتحدة بمشاركة وزراء التجارة من 11 دولة تطل على المحيط الهادي هي استراليا وبروناي وشيلي وكندا واليابان والمكسيك ونيوزيلاندا والبيرو وسنغافورة وفيتنام وماليزيا مشكلة نحو 40% من الاقتصاد العالمي.

تهدف الاتفاقية، التي فشل إقرارها خلال الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس باراك أوباما، إلى إقامة أكبر سوق للتجارة الحرة في العالم، عبر إزالة الحدود الجمركية وتوحيد المعايير التجارية لضمان تدفق السلع والخدمات بين الدول الأعضاء، مما سيشكل سوق قوامه 800 مليون مستهلك ومجموع ناتج محلي إجمالي يقدر بـ 27.5 تريليون دولار أمريكي.

لكن تنامي المناخ الشعبي الرافض لاتفاقيات من هذا النوع يجعل منها هدفًا بعيد المنال، خاصة أن الحكومات المحلية ترغب في المحافظة على نسبة رضا مقبولة لدى عموم الناخبين. هذا ما يفسر ازدياد عدد القرارات المتخذة باتجاه الانعزالية أو الحمائية التجارية.

لقد وصل عدد التدابير والقرارات المشابهة منذ عام 2008، تاريخ حدوث الأزمة المالية العالمية، إلى قرابة 1583 قرار، وهو ما يفسر المشكلة التي تواجه التجارة الحرة العالمية. فكيف يكون الحال إذا ما علمنا أن النسبة الأكبر من هذه القرارات كانت من نصيب الدول المشاركة في قمة العشرين؟!، نلك الدول التي تمثل ما نسبته 85% من الاقتصاد العالمي، و80% من التجارة العالمية.

وعلى الرغم من معارضة مجموعة العشرين مجتمعة لمثل هذه القواعد، إلا أنها ماتزال قائمة في يومنا هذا بشكل فردي، ما دفع المدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبرتو أزيفيدو لإبداء الأسف من تصاعد هذه الإجراءات.

ينبه الخبراء الاقتصاديون من تنامي قوة تيار الانعزال، خاصة بعد نجاح التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأثر ذلك على الاقتصاد البريطاني والعالمي، ويطالب هؤلاء زعماء القمة بقرارات جدية وأكثر عملية بعيدًا عن دور المراقب، مع تقوية مكانة منظمة التجارة العالمية حتى لا ينفتح المجال أمام الاتفاقيات التجارية الإقليمية والتي تخدم بعض الدول وليس جميعها، وتضعف التجارة الحرة العالمية.

وفي إطار متصل تناولت القمة الأخيرة أيضاً العديد من الملفات التي لاتزال محل خلاف دولي، كان أبرزها قضية منتجات الصلب التي تستحوذ عليها الصين والتي تؤثر على العلاقات الصينية الأوربية وغيرها من القضايا السياسية والاقتصادية.

تجارة الصلب الصيني

دعا رئيس المفوضية الأوربية جان كلود يونكر الصين إلى وضع آلية لمعالجة مشكلة فائض الطاقة الصناعية لديها وخاصة فيما يتعلق بتجارة الصلب العالمية، وهي نقطة شائكة بالنسبة للصين التي بقيت المنتج الأكبر في هذا القطاع، حتى مع إجراءات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العقابية على خلفية اتهام الصين بإغراق الأسواق.

لقد كان لنشاط الصين أثرًا سلبيًا على التجارة الحرة في صناعة الصلب الأوروبية، بعد أن فقدت الأخيرة حجماً كبيراً من الوظائف بالإضافة إلى ارتفاع معدلات النمو السلبية. استجابة القمة جاءت بالإفصاح عن نيتها إقامة منتدى عالمي حول الإغراق في مجال الفولاذ والصلب تحت إشراف منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي وبمشاركة من أعضاء مجموعة العشرين وذلك لتقييم جهود الدول في هذا المجال.

كما تصدرت مسألة التحفيز النقدي وإنعاش الاقتصاد العالمي جدول أعمال القمة، حيث توافق الأعضاء على اعتماد سياسات تحفيز نقدي ومالي بالإضافة إلى إجراء إصلاحات هيكلية للخروج من حالة الركود التي يمر بها الاقتصاد العالمي، مع استخدام كل الأدوات الممكنة لدعم الاقتصاد الذي يواجه أزمات كبيرة هذه المرحلة.

وكان لافتًا توافق الحضور على خطورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وما يحمله ذلك من نتائج تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، حيث خفض صندوق النقد الدولي في وقت سابق من توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي لعامي 2016-2017بسبب الانسحاب البريطاني الأخير، إلا أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قالت إن بلادها لا تتجه نحو مزيدًا من الانعزال بعد التصويت الأخير، بل مازالت تدعم وتشجع التجارة الحرة العالمية.

وشهدت القمة مناقشة العديد من القضايا السياسية والاقتصادية الأخرى كأزمة اللاجئين والمناخ والعولمة والإرهاب وتباطؤ معدلات النمو مع زيادة الوعود في دعم البلدان النامية ومكافحة الفساد فيها.

واختتمت القمة بتسليم جيانج تسنج وي رئيس القمة حق استضافة القمة المقبلة إلى ماركوس كربر المدير العام لاتحاد الصناعات الألمانية لتكون قمة العشرين عام 2017 في هامبورغ الألمانية، ثم في الأرجنتين عام .2018

يذكر أن مجموعة العشرين التي تضم 19 دولة مع الاتحاد الأوربي قد تأسست عام 1999 على هامش قمة مجموعة الثماني في سبتمبر من نفس العام في واشنطن، لتضم وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية.

كان هدف الاجتماع الافتتاحي الأول لها في ديسمبر عام 1999 في برلين، تعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي الدولي وإيجاد فرص للحوار تجمع بين الدول الصناعية والدول النامية لحل الملفات العالقة، إلا أن السبب الحقيقي لإنشائها جاء كرد فعل على الأزمات المالية التي حدثت في نهاية التسعينات خاصة الأزمة المالية بجنوب شرق آسيا وأزمة المكسيك.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة