تراجعت أسعار أسهم دويتشه بنك (Deutsche Bank) خلال الأسبوع الماضي بطريقة دراماتيكية لتبلغ أقل مستوى لها منذ عشرة سنوات تقريبًا. جاء ذلك عقب نجاح التصويت الذي جرى مؤخرًا لإعطاء بريطانيا الفرصة للخروج من الاتحاد الأوروبي.

وسجل سعر السهم، يوم الخميس، في بورصة فرانكفورت مستوى أدنى من أقل اغلاق شهده السوق، والذي كان عند 11.44 يورو للسهم الواحد. مما جعل البنك الألماني العريق يدخل في لائحة أسوء أداء ضمن مؤشر داكس 30 الذي يضم نخبة من الشركات والمؤسسات التجارية الرائدة.  وبهذا التراجع يكون المصرف الذي تقدر اجمالي أصوله بأكثر من 1.8 ترليون يورو قد فقد 49 % من قيمة أسهمه منذ بداية العام.

يضاف إلى سلسلة إخفاقات البنك الأخيرة جحم هائل من قضايا الملاحقة القانونية والمنازعات القضائية تصل إلى 8 آلاف قضية حول العالم.

مع ظهور هذه المعطيات، تحول دويتشه بنك (Deutsche Bank) الذي اعتبر لوقت طويل فخر القطاع المصرفي الألماني، ومحرك قوي يدعم القوى الاقتصادية في عموم أوروبا، إلى قنبلة موقوتة تهدد سلامة النظام المالي الكلي للقارة بل والعالم بأسره. الأمر الذي دفع لإثارة مخاوف حول مستقبل هذه المؤسسة المالية ومثيلاتها بعد خروج بريطانيا من دول الاتحاد الأوروبي.

امبراطورية المال الألمانية

يضم المصرف بين كوادره 100 ألف موظف من القوى العاملة، وتنتشر مشاريعه واستثماراته حول العالم. فقد استهدف البنك عبر شبكته المالية الدولية تحقيق أرباح للمساهمين وحملة أسهمه، وصلت في سنوات سابقة من تاريخه إلى 25 % كعائد على رأس المال.

فوصل سعر سهم المصرف إلى ما يزيد عن 100 يورو في مايو من عام 2007 قبل اندلاع أزمة الرهن العقارية التي عصفت بجميع دول العالم في وقت لاحق.

ويبدو أن قوة الانتشار وحجم التعرض الكبير للمصرف الذي يتداخل في عمله مع مجموعة واسعة من الأسواق عالية المخاطر، كانت السبب الأساس في الازدهار لكنها اليوم التهديد الأكبر لبقائه.

في دراسة أجريت بدعم من صندوق النقد الدولي، ظهر أن المصرف هو “المساهم الأبرز في المخاطر التي ترتبط بالنظام المصرفي العالمي” هذه الدراسة لم تغفل باقي المؤسسات المالية الضخمة فجاء بنك إتش إس بي سي (HSBC) وبنك كريديت سويس (Credit Suisse) في مراكز تسبق المصرف الألماني. وحتى نفهم معنى تقرير صندوق النقد الدولي لابد من التعرف على أهمية المخاطر.

تظهر المخاطر في النظام المالي عادة بسبب سياسات التيسير الذي تنتهجها المصارف المركزية، وتنتهي مثل تلك الإجراءات غير المضبوطة بكوارث ذات نتائج جوهرية على البنيان الاقتصادي العام، حيث تبدًا الأثار في التكشف أولًا عن طريق المصارف التي تفشل في مراحل الأزمة المتقدمة بإيفاء الالتزامات تجاه عملائها ومشاريعهم المستمرة في التوسع.

وعلى الرغم من ان سياسة التيسير الكمي تعتبر من أدوات السياسة النقدية المحركة لعجلة النمو وتشمل أسعار الفائدة بشكل أساسي، إلا أنها سلاح ذو حدين قد يحمل نتائج مدمرة.

ففي منطقة اليورو التي يعتبر الاقتصاد الألماني الحصان المحرك لها، تم تنفيذ إصلاحات على المستوى الوطني واتخاذ خطوات مهمة نحو تحسين بنيان الاتحاد النقدي، مما ساعد على تخفيض ضغوط التمويل على البنوك والكيانات السيادية. غير أن اقتصادات إيطاليا والبرتغال وإسبانيا الخاضعة للضغوط لا تزال محاطة بالتحديات التي تفرضها أعباء الديون الثقيلة. لن تستطيع الدول القوية مثل المانيا المراهنة على تحمل ضغوط الشركاء فكيف سيكون الحال مع انتقادات المؤسسات المالية الألمانية كحال هذا المصرف.

 

ما الذي يحدث في دويتشه بنك (Deutsche Bank)؟

تعرض المصرف لكثير من الضغوط عقب حالة من عدم اليقين تجاه نتائج التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كذلك حدث لمنافسيه الأوروبيين في الأسابيع الأخيرة، قبل أن تحسم النتائج لصالح الخروج ما عقد الموقف أكثر، وشكل الضعف المزمن في القطاع المصرفي عامل ضغط إضافي تحول إلى تشكيك بمتانة المؤسسات الأوروبية، لكن الأسباب الرئيسية في حالة الضعف تعود لعوامل داخلية مرتبطة بالمصرف نفسه.

بحسب آراء المناصرين للمصرف بين المحللين الماليين يعتقد هؤلاء أن البنك يعاني من تدني أسعار الفائدة بشكل كبير، وكذلك من تشديد الضوابط التنظيمية التي يتوجب عليه التقيد بها في تعاملاته المالية مما يكبل مشاريعه ويكبح من انطلاقته.

ولكن هذا الرأي يلغيه بشكل كامل نجاح البنك التجاري الألماني (Commerzbank)، والذي يعتبر أكثر تواضعا بكثير في حجمه من نظيره العملاق، في تحقيق أرباحا بلغت نحو مليار يورو، تمامًا في نفس الوقت الذي خسر فيه دويتشه بنك (Deutsche Bank) 7 مليارات يورو.

سيضطر بذلك البنك الخاسر أن يتجنب توزيع الأرباح على المساهمين خلال السنة الحالية والسنة التالية ليتجنب أزمته المالية. بل سيسعى بحسب بعض المصادر إلى استجلاب رؤوس أموال جديدة، الامر الذي رفض المصرف التعليق عليه عند سؤال وكالة الانباء الفرنسية (فرانس برس) عن الأمر.

نفس المصادر المالية في فرانكفورت والتي فضلت البقاء مجهولة الهوية ذكرت” ان هبوط أسهم المصرف كان مدهشًا، وأن المخاوف تنتشر بشدة في الأوساط المالية من إعادة سناريو بنك ليمان برذار”

وكان مصرف ليمان برذار الأمريكي والذي صنف كرابع اقوى مؤسسة مالية في الولايات المتحدة الأمريكية قد أشهر افلاسه عام 2008 لتنفجر معها ازمة مالية عالمية عصفت بالكوكب “سميت أزمة الرهن العقاري

داخليًا يسود مناخ قاتم حيث أظهرت دراسة نشرت من قبل المصرف نفسه أن أقل من نصف الموظفين فقط يفتخرون بالعمل لدى دويتشه بنك (Deutsche Bank). يترافق ذلك مع غرق البنك في قائمة لا نهاية من الفضائح والممارسات الخاطئة التي بدأت تظهر للعلن منها ما يقرب من ثمانية آلاف حالة تقاضي في جميع أنحاء العالم، ما انعكس في ظاهرة تسرب الموظفين المتزايدة يوميًا، كان آخرها ما تناقلته تقارير إعلامية عن استقالة رئيس قسم النقد الأجنبي والديون، أحمد ارينج.

يبقى أن نشير إلى أن البريطاني جون كراين قد تولى منصب الرئيس التنفيذي لدويتشه بنك (Deutsche Bank) في العام الماضي، حيث وعد بتطبيق خطة اصلاح سريعة تهدف لخفض التكاليف، وزيادة الربحية مع التركيز على الخدمات المصرفية الرقمية. حيث تشمل خطته الغاء ثلاثة آلاف وظيفة في ألمانيا وإغلاق 188 فرع للمصرف.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة