أطلقت الصين عام 2013عبر تصريح لرئيسها” شي جين بينغ” مبادرةً جديدةً، ترّوج فيها إلى إعادة إحياء طريق الحرير القديم، تحت شعار” حزام واحد، طريق واحد”، على أن يتم تنفيذها عام 2049.

تقوم المبادرة على إقامة طريق تجاري ينقل مستودعات البضائع برّاً، على متن القطارات، من الصين إلى أوروبا مباشرة وخلال أيام، من خلال سكة حديدية عابرة للقارات، تربط شرق الأرض بغربها، وتتمحور حول الصين، لتكوّن بذلك طريقاً تاريخياً يغيّر خريطة العالم المستقبلية.

وبدأت الصين في اتخاذ خطوات جادّة لتفعيل هذه المبادرة، كان أبرزها إطلاق خطة العمل الخاصة بطريق الحرير، وتأسيس كيانات مالية ضخمة لدعمه، كما أعلن الرئيس الصيني عقب إطلاقه المبادرة أن بلاده ستُساهم بـ 40 مليار دولار لدعم البنية التحتية في طريق الحرير.

يضم مخطط بكين لبناء ذلك الطريق الجديد مسارين أحدهما بحري يربط الهند وشبه الجزيرة العربية وشرق وشمال إفريقيا وأوروبا، والآخر بري، يربط الصين بالهند وإيران وأوروبا، وذلك بهدف رفع مستوى التجارة الخارجية للصين.

ويمر الطريق التجاري المنتظر من عدة موانئ أولها ميناء طنجة التونسي، فضلاً عن موانئ أخرى يمكن تطويرها على البحر المتوسط، والتي من شأنها أن تتكامل مع هذا الطريق وتساهم في تحقيق أهدافه المرجوة.

ما الذي تهدف الصين إليه من وراء “طريق الحرير الجديد”؟

هناك العديد من الأسباب الكامنة وراء السعي الصيني الجديد إلى فتح هذا الطريق العالمي، ويكفي أن نشير إلى عزم الحكومة الصينية توفير دعمًا ماديّاً ضخماً وباستثمار تبلغ قيمته حوالي 4 تريليون دولار في الدول التي سيمر بها الطريق، حتى ندرك سريعًا الأهمية الكبرى.

ويعود السبب وراء هذا الدفع الكبير للمشروع، إلى أسباب تجارية وجيوسياسية، في مقدمتها الطاقة التصنيعية العظمى في الصين، وخاصة في مجالات تصنيع الصلب والمعدات الثقيلة، والتي سيكون الطريق التجاري الجديد بمثابة متنفس لها، كذلك إن تباطؤ نمو السوق المحلى الصيني، يقلق الحكومة التي تبحث عن أسواق تجارية جديدة يمكن من خلالها أن تحافظ على ازدهار الاقتصاد الصيني.

يقول المحلل بالمكتب الوطني للأبحاث الأسيوية، ناديج رولاند، في حديثه لمجلة فورين بولسي” أن هذا المشروع ليس مبادرة اقتصادية فحسب، وإنما مشروع جيوسياسي وله أهمية إستراتيجية كبرى، ومن المتوقع أن تتحسن بسببه العلاقات بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا بشكل كبير، إذا ما خصصت الصين الكثير من رأس مالها لتطوير البنية التحتية لطرق خارج حدودها.

وذكرت صحيفة إيكونومست أن “طريق الحرير” الجديد سيضم خط أنابيب غاز يبدأ من خليج البنغال ويمر بمينامار حتى جنوب غرب الصين، إلى جانب خط سكك حديدية تربط الصين بمدينة دويسبورج الألمانية وطريق بحري يمر بجاكارتا وسيريلانكا ونيروبي بكينيا، مرورا بقناة السويس إلى أثينا وإيطاليا، وأضافت المجلة أنه لا يوجد حتى الآن رقم رسمي لعدد الدول الأعضاء بطريق الحرير، ولكن التقديرات تشير إلى 60 دولة.

ومن المتوقع أن تكون الروابط الاقتصادية والثقافية بين هذه الدول المشاركة حجر أساس يدعم مكانة الصين كلاعب رئيسي في العالم.

وقال متحدثون خلال اليوم الأول من المنتدى الاقتصادي إن المبادرة سوف تنعكس إيجاباً على نحو 4.4 مليارات نسمة من مواطني دول العالم، ومن المتوقع أن تشهد التجارة بين دول حزام واحد طريق واحد، خلال السنوات الخمس المقبلة نحو 10 تريليونات دولار أميركي، حيث ستصدر الصين وحدها ما قيمته 500 مليار دولار أميركي لدعم هذه المبادرة.

وتتوقع الصين أن يحدث طريق الحرير نشاطاً تجارياً تفوق قيمته 2.5تريليون دولار خلال 10 سنوات، وسيتم تنفيذه في 3 خطوات أولها التعبئة الاستراتيجية حتى نهاية 2016، والتخطيط الاستراتيجي حتى 2021 وفترة التطبيق الاستراتيجي من 2021إلى 2049.

large silk road map

بنك جديد ينافس البنك الدولي.

أعلنت الصين أن خطوات تنفيذ المبادرة بدأت منذ إطلاقها من عامين، حيث تتضمن إنشاء صندوق مالي لدعم هذه المبادرة، وتأسيس بنك آسيوي، كما قامت شركات عملاقة بتنشيط الاستثمارات الأوربية مؤخرًا في الصين، حيث أقبل الأوروبيون على شراء حصص في الموانئ، وتقوم CRRC ببناء خطوط السكك الحديدية الجديدة في أوروبا الشرقية.

على أرض الواقع، أصبحت المجر أول عضو في الاتحاد الأوروبي، يوقّع مذكرة تفاهم مع الصين بشأن إدماج مبادرة “حزام وطريق” مع مبادرات المجر “الانفتاح على الشرق” والانفتاح على الجنوب.

وتعتبر بولندا أيضا دولة محورية في المشروع، حيث يتضمن ربط مدينة سيشوان الصينية مع مدينة لودز البولندية، فضلاً عن تطوير العديد من الموانى مثل جدانسك، وجميعها ممولة بالقروض الميسرة من الصين.

أما بالنسبة للأعضاء الآخرين في الاتحاد الأوروبي، فقد قاموا بإدماج مشروع الصين مع استراتيجيات الاستثمار الخاصة بهم أو بصدد القيام بذلك، وعلى سبيل المثال، وقعت فرنسا مع الصين في يونيو الماضي اتفاقا قضى بأولوية التعاون في أسواق الطرف الثالث، ومن خلال التركيز على مشاريع البنية التحتية، فإن الصين تسعى لبناء علاقات أفضل، فضلا عن اكتساب النفوذ السياسي في مناطق الحزام والطريق.

وتشهد العلاقات النقدية الصينية الأوروبية تنامياً كبيراً، يفسر إلى حد كبير قرار بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا تحدي الولايات المتحدة والانضمام إلى AIIB، وهو بنك إقليمي بقيادة الصين وينظر إليه باعتباره منافساً محتملاً للبنك الدولي.

في أيامنا الحالية، يظهر مزيد من التقارب على صعيد العلاقات الصينية الأوروبية في المجالات المالية والنقدية التي تجذب انتباه وقلق الولايات المتحدة، حيث بات اليورو في بكين موازناً للدولار وفعالاً لإنشاء نظام عملة متعدد الأقطاب، سيكون فيه لليوان مكانة خاصة. ونتيجة لذلك، قد تتجه الصين بعيداً عن الدولار وبالقرب من اليورو الذي يمثل حالياً أكثر من ثلث احتياطيات الصين من العملة الأجنبية.

هذا بالإضافة إلى العلاقات الصينية مع بريطانيا التي شهدت تحسناً ملحوظاً، حيث باتت لندن مكاناً جذّاباً للاستثمارات الصينية، الأمر الذي يلقى ترقباً كبيراً من واشنطن، لا ننسى أن الصين استطاعت بناء تحالف أطلقت عليه (16 + 1) ويعني دخول 16 بلد من أوروبا الشرقية في تفاهم اقتصادي مع الصين، بعض هذه الدول من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حاليًا.
تجدر الإشارة إلى أن طريق الحرير هو طريق برية وبحرية، تبادل عبره الناس من كل أصقاع العالم الحرير وغيره الكثير من السلع، كما أتاح أيضاً تناقل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل، مما أثر تأثيراً عميقاً في تاريخ شعوب المنطقة الأورو-آسيوية وحضاراتهم.

وشهدت المجتمعات القاطنة على امتداد هذه الطرق تبادلاً وانتشاراً للعلوم والفنون والأدب، فما لبثت أن ازدهرت فيها اللغات والأديان والثقافات وتمازجت.

ويُعتبر مصطلح “طريق الحرير” في الواقع مصطلحا حديث العهد نسبياً إذ لم تحمل هذه الطرقُ القديمة طوال معظم تاريخها العريق اسما بعينه. إلى أن أطلق العالم الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن، وفي أواسط القرن التاسع عشر، اسم “دي سيدينستراس” (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات التي لاتزال آثارها واضحة حتى الآن.

لا ندري هل سيحظى طريق الحرير الجديد بذات المكانة التاريخية، وهل سيشهد مرور القطارات السريعة كما شهد مرور الآلاف من القوافل على مدى التاريخ البعيد؟؟

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة