تصدرت لعبة بوكيمون -غو عناوين الأخبار مؤخرًا في مجموعة كبيرة من دول العالم، جاء ذلك بعد أن أطلقت شركة نينتندو اليابانية المتخصصة في نشر وتطوير الألعاب الإلكترونية، اللعبة التي تعمل على أجهزة الهاتف المحمول (الموبايل) في منتصف الشهر الحالي.

 

وتنوعت الاخبار والتقارير التي ضجت بها مواقع وسائل الإعلام بين المشجع على اللعبة وممارستها نظرًا لفوائدها الرياضية الكبيرة، وبين المحذر من اخطارها والنتائج الكارثية على الأمن والسلامة العامة. بل وصل الأمر إلى حد اتهام الشركة بمحاولة التجسس على خصوصية المستخدمين والحصول على اسرار حساسة عن البلدان التي يقيمون فيها.

 

تضع اللعبة مستخدميها في عملية بحث ومتابعة لمجموعة من الوحوش الافتراضية التي تظهر على شاشات هواتفهم خلال رحلة المنافسة لجمعهم وترويضهم. وعلى الرغم من أن اللعبة لم تطلق بعد بشكل رسمي في جميع دول العالم، إلا أن حجم الاقبال عليها ضخم جدًا، إذا ما علمنا أن عدد مرات التحميل بلغ ما يزيد عن 20 مليون مرة خلال الأسبوع الأول من الإصدار.

 

تنتمي اللعبة إلى نمط ألعاب الواقع المعزز وتستخدم تقنياته، فهي تعمل عن طريق الكاميرا الموجودة في جهاز الهاتف لتصوير مناطق تواجد اللاعب، مضافًا إليها نظام التموضع العالمي “جي بي إس” بطريقة تسمح للمستخدم في تحديد مكان وجود الوحوش الافتراضية التي تظهر بشخصيات كرتونية. في الوقت نفسه تستفيد اللعبة من شبكات التواصل الاجتماعي فتجعل من عملية مشاركة الإنجازات في اللعبة بين المنافسين أمرًا جذابًا لاستقطاب مزيدًا من المشاركين.

 

لقد اكتشف القائمون على تصميم اللعبة ما يحفز الناس على التفاعل ويدفعهم لممارسة الألعاب الإلكترونية بدون النظر إلى العمر أو المهنة أو الحالة الاجتماعية. الأمر الذي جعل من التطبيق ” لعبة بوكيمون -غو ” علامة فارقة في تاريخ هذه الصناعة ودفع بأسهم شركة نينتندو اليابانية للتحليق عاليًا بنسبة تجاوزت 25 بالمائة خلال يومين، فضلًا عن زيادة القيمة السوقية للشركة بواقع 7 مليارات دولار أمريكي في نفس الفترة الزمنية.

 

سر الألعاب الإلكترونية.

 

يجتهد كثير من الباحثين في علم النفس والاجتماع للعمل على تفسير الظواهر الاجتماعية الغريبة التي يتميز بها العصر الحديث، فمنذ توسع شبكة الانترنيت بدأ العالم يتغير بسرعة كبيرة ومع تطور التكنولوجيا اليومي انتشرت ظواهر اجتماعية تحمل قدرًا كبيرًا من الغرابة بالنسبة للمجتمعات البشرية التي تعودت على الحفاظ على الخصوصية واحترامها.

 

تقول الباحثة في الدوافع النفسية الكامنة وراء الإقبال على الألعاب الإلكترونية جودي طوزان ” الحاجة للعب مستمرة وتظهر منذ فترة الطفولة المبكرة، ثم تختلف هذه الحاجة وطريقة اشباعها مع تطور الانسان عبر مراحل حياته”   وتضيف الباحثة ” تقدم الألعاب الإلكترونية قدرًا كبيرًا من انخراط اللاعب في العالم الافتراضي، فهي تسمح له بالتحكم في مجريات الأحداث وتشبع احتياجات متعددة وهذا لا يمكن الحصول عليه في العالم الواقعي”.

 

أما عن الأسباب والدوافع فتقول الباحثة ” يمكن تقسيم شخصيات اللاعبين بحسب الدوافع الكامنة وراء اقدامهم على اللعب، فهنالك من يبحث عن الإنجاز ويجد في الألعاب الإلكترونية فرصة لإظهار مهاراته والتفوق على الخصوم والمنافسين”.

 

وعلى الطرف المقابل وخاصة في لعبة بوكيمون-غو فتقول الباحثة أن اللعبة تعطي مجالًا واسعًا من الإثارة والغموض حيث تدفع اللاعبين إلى استكشاف الخرائط ومعرفة الأماكن المخفية، ثم البحث المستمر عن الأشياء الضائعة وهي الوحوش هنا.

لا شك أن جوانب التواصل الاجتماعي كانت حاضرة بقوة في تصميم اللعبة، فهي تضع اللاعبين في تجمعات وفرق للبحث عن الوحوش الافتراضية. فسواء كانت طريقة اللعب فردية أو جماعية سيلتقي المشاركون في نشاطات ومناطق محددة على ارض الواقع، سميت أماكن ونوادي التدريب التي تسمح للاعب بتطوير مهاراته قبل خوض المواجهات والسعي لاصطياد وحوش البوكيمون.

 

 

من يصطاد الآخر في لعبة البوكيمون –غو؟

 

ترافق ظهور لعبة البوكيمون – غو مع مجموعة كبيرة من الاخبار الطريفة وحتى الغريبة وصوًلا إلى الأحداث المرعبة، فقد بلغ البعض أجهزة الشرطة عن وجود جثث لأشخاص فقدوا في جرائم قتل بأماكن نائية، قبل أن يعثر عليهم اللاعبين خلال جولاتهم للبحث عن الشخصيات الكرتونية الأسطورية.

 

كما تم استغلال اللعبة لاستدراج اللاعبين إلى أماكن نائية بهدف خطفهم أو سرقتهم، ما دفع بالشرطة لإطلاق

تحذيرات متكررة بضرورة الانتباه عند ملاحقة الوحوش في المناطق البعيدة بل وتجنب الذهاب إلى تلك الأماكن. لكن الخبر الأغرب الذي سيطر على جميع المواقع الإخبارية فهو استقالة شاب في نيوزيلندا من عمله حتى يتفرغ بشكل كامل لممارسة اللعبة وجمع البوكيمون.

 

يقول توم كوري “عندما استقلت من عملي لم أخبر مدير بأني مهتم بمطاردة البوكيمون أكثر من العمل في مطعمه، لكن وسائل الإعلام تحدثت بشكل كبير عني وأصبحت مشهورًا في بلادي ”

لا يخفي توم أن اللعبة استحوذت على جل اهتمامه لدرجة جعلت منه مدمنًا عليها، يسافر إلى أغلب مدن وقرى نيوزيلندا بقصد اللعب. في نفس الوقت يدرك توم أن العودة للعمل ضرورية إلا أنه لن يفعل ذلك حتى الانتهاء من جمع الوحوش البالغ عددها 151 شخصية كرتونية، حيث استطاع حتى الآن الحصول على 91 منها فقط.

 

ليس الإنسان من يجمع الوحوش بل اللعبة هي من تجميع الناس من كل بقاع الكرة الأرضية، وعنصر النجاح الأكبر للعبة اعتمادها على مفهوم “الحنين إلى الماضي” ( Nostalgia) فاللعبة تستند على أحداث مسلسل كرتوني ذائع الصيت يحمل اسم ” بوكيمون” في هذا المسلسل الذي عرض بشكل مكثف منذ حوالي 16  سنة  يقوم البطل وهو طفل يبلغ من العمر 10 سنوت بمطاردة وحوش كرتونية في عالم  خيالي.

 

النسبة الأكبر من اللاعبين اليوم هم من الجيل الذي شاهد المسلسل الكرتوني وتعلق به وتأثر بشخصية البطل، لكن المفاجأة الأكبر ستكون عنما تستمع إلى كلمات الأغنية المرافقة للمسلسل والتي تطلب من المشاهدين بشكل واضح جمع وحوش البوكيون بعبارة ” سأجمهم كلهم” أو بالإنكليزية (Gotta Catch ‘Em‘ ALL!) وتتابع كلمات الأغنية لتقول ان السفر لجمع الوحوش هو واجب وتدريبهم يجب أن يكون قضيتك الأهم وتنتهي بالقول هذا هو قدرك.

 

إذًا الحنين إلى ذكريات الماضي هو من دفع الناس لتحميل اللعبة وتجربتها في المقام الأول، لقد أصبح الطفل الذي شاهد المسلسل منذ ما يقارب العقدين من الزمن البطل الحقيقي اليوم، فهو يسافر حاملًا هاتفه لمحاكاة قصة حياة الشخصية الكرتونية. لا يعني هذا أن اللعبة لا تملك أدوات جذب أو أنها متواضعة من حيث المستوى التقني، بل على العكس بنيت اللعبة على آخر ما توصلت إليه تقنيات الواقع المعزز لتتحول سريعًا إلى أيقونة في قصص النجاح بين الألعاب الإلكترونية.

 

يبقى أن نشير إلى أن كلمة بوكيمون ” pokemon “مزيج من كلمتين هما pocket monsters وتعني وحش الجيب في إشارة إلى حجم الوحوش الصغيرة التي تغزو عالم اللعبة.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة