من المرجح أنك لم تسمع من قبل بالشكل الكافي عن الأجهزة القابلة للارتداء أو ما يعرف بالتكنولوجيا المدمجة بالمتعلقات الشخصية، إذا كنت من الأشخاص الذين يطلقون العنان لخيالهم في ابتكار وتصور حلول تقنية ذكية أو أفكار خلاقة فإن هذه السطور هي دعوة مجزية للاطلاع على تجارب واختراعات كنت تظن أنها مستحيلة.
وحتى إن لم تكن من المهتمين بالتكنولوجيا فالنصيحة هنا أن تتابع القراءة أيضًا، والسبب ببساطة أن أثر التكنولوجيا والتطورات السريعة ستصل إليك حتى لو حاولت البقاء بعيدًا عنها أو تجاهلها.
فقريبًا سيجد الموظفون أنفسهم يرتدون كنزة أو نظارة أو يضعون سوار حول المعصم، ولربما يعتمرون قبعة بخواص تكنولوجية محددة خلال تنفيذهم لمهام العمل. لكن الغريب فيما سبق ليست الأشياء تلك بحد ذاتها ولكن قدرتها على قياس وتحليل نشاطات الشخص وحالته النفسية والعقلية ونقلها مباشرة وبشكل لحظي إلى مشرف العمل أو المدير المباشر، ثم تحويلها إلى قسم الموارد البشرية لتصبح تقارير أداء موثقة بطريقة علمية حيادية لا يمكن إنكارها.
قد يبدو ذلك مرعبًا بعض الشيء خاصة إذا اعتبرنا أن مساحة المشاعر والأفكار الداخلية ستنتهك، ويتحول البشر معها إلى ما يشبه الروبوتات المبرمجة التي تنفذ أعمالها بمراقبة وسيطرة مشغلها. إلا أن كثيرًا الجوانب المشرقة ظهرت في تجارب بعض الشركات مع موظفيها خلال تعاملهم مع تقنيات الأجهزة القابلة للارتداء. بل تصر تلك الشركات على أنهم حصلوا على نتائج مميزة على صعيد زيادة الإنتاجية والتعاون والإبداع في أعمالهم، وأنهم اثبتوا الإمكانيات المذهلة لهذه الأجهزة الذكية.
أظهرت دراسة بحثية قامت بها شركة “تراكتيكا” (Tractica) المتخصصة في دراسات السوق أن أكثر من 75 مليون جهاز قابل للارتداء سينتشر في المشاريع والبيئات الصناعية في الفترة الممتدة بين 2014 و2020. وهو ما يعني زيادة بنسبة 3000 بالمائة في حجم السوق البالغ حوالي 6 بليون دولار اليوم.
شملت الدراسة قطاعات واسعة من المهن والأعمال المنتشرة حول العالم، وضمت في عينة البحث مجموعة كبيرة من الشركات الكبيرة والمتوسطة وصغيرة الحجم.

هيتاشي تستخدم الأجهزة القابلة للارتداء

نجحت شركة هيتاشي اليابانية المعروفة بهندسة وتصنيع الإلكترونيات في تطوير جهاز على شكل البطاقات الشخصية (Hitachi Business Microscope) التي يرتديها الموظفين حول أعناقهم. يحتوي الجهاز على ميكرفون وجهاز لقياس السرعة وأجهزة استشعار بالأشعة تحت الحمراء وغيرها من أدوات جمع البيانات.
وبحسب ما قالته الشركة في بيان صحفي لها من مقرها في العاصمة اليابانية طوكيو أن الهجف من المشروع هو تحسين قياس الأداء للموظفين وكذلك إدارة تفاعلهم فيما بينهم.
يستطيع الجهاز الذي طورته هيتاشي تعقب أماكن وجود الموظفين، ونشاطاتهم خلال حديثهم إلى زملائهم لجهة المسافة بينهم وبين الطرف المقابل لهم في الحوار، فضلًا عن الإيحاءات التي يصنعونها بأيديهم أو طريقة هزهم لرؤوسهم مع مستوى الطاقة في أصواتهم ومدى تغيرها.
تنقل هذه البيانات المجمعة لتعرض بشكل إحصائي على شاشة مسطحة وبطريقة آنية مما يساعد الموظفين في تطوير عادات ومهارات التواصل وردود الأفعال الشخصية بهدف تحسين التعاون بين فريق العمل، حيث يقدم الجهاز للمستخدم استراتيجية لمعالجة نقاط ضعفه وتجاوزها.
لهذه التكنولوجيا التي يوفرها الجهاز القدرة على الحد من الاجتماعات الطويلة والعروض المملة، خاصة عندما يكون جميع المتواجدين في الاجتماع يرتدون الشارات الخاصة بهم (جهاز الرصد). سيكون واضحًا انزعاج الحضور أو ضجرهم من اسهاب المتحدث في الكلام، مما يدفعه للسكوت وحفظ الوقت الثمين للجميع، في نفس الوقت من المرجح أن يخلق هذا تأثيرُا سلبيًا توتر أكثر من التعاون.

ماذا ستقدم الأجهزة القابلة للارتداء لبيئة الأعمال العصرية؟

الفائدة الأولى هي زيادة السعادة للموظفين حيث يعتبر هذا الهدف أول ما تسعى له هيتاشي بحسب قولها، لذلك طورت جهاز استشعار لقياس سعادة الموظف لديها من خلال تسجيل طبيعة حركته ودراستها. تقول هيتاشي أن هنالك علاقة واضحة يمكن تفسيرها ما بين درجة السعادة وأسلوب الحركة سواء خلال الجلوس او الوقوف أو التجول في أرجاء المكتب فلغة الجسد عبارة عن رسائل لما يشعر به الإنسان.
تنعكس السعادة على معدل الإنتاجية مما يعني أن جهاز هيتاشي سيعطي الفرصة لأرباب العمل في جمع البيانات عن الحالة النفسية للقوى العاملة، ثم تطبيق برامج تحفيزية أو ترفيهية أو ربما رحلات استجمام تسمح في زيادة سعادة الموظفين وبالتالي رفع الإنتاجية.
الفائدة الثانية هي الرشاقة، في تجربة شركة BP الأمريكية قصة مختلفة عندما أطلقت الشركة برنامج غريب لدعم الموظفين والعاملين لديها، فربطت بعض المكافآت المالية بمعدل السير على الأقدام.
قررت الشركة إعطاء مكافأة عن كل 1000 خطوة يقوم بها الموظف خلال ممارسة نشاطاته اليومية، وبدأ مدراء الشركة والمشرفون فيها متابعة العاملين من خلال تطبيق Fitbit الذي يسمح بمراقبة ذلك. ثم وضع هدف كبير حتى نهاية العام وهو الوصول إلى مليون خطوة.
الفوائد التي جنتها الشركة كبيرة لان الموظف الرشيق يعمل أكثر وتكون صحته أفضل لذلك ستنخفض تكاليف الطبابة والنفقات الصحية ما يوفر على الشركة أموال كثيرة.
التسجيل للحصول مجاناً على تطبيق Fitbit متعقب النشاط. ويتم تحديهم من قبل أرباب أعمالهم عن إمكانية مشيهم مليون خطوة في السنة، ويحصل الموظفين على مكافآت مقابل كل 1000 خطوة تزيد عن المليون. الموظفون الرشيقون ذوي الصحة الجيدة ليسوا فقط أكثر إنتاجية، بل بدأت الشركات حول العالم إدراك أهمية هذا النمط من الموظفين، فإنهم أيضاً يخفضون على شركة BP من تكاليف الطبابة الصحية. ويمكن للموظفين باستخدام تطبيق Fitbit لمراقبة انشطتهم اليومية، الانخراط في برامج تأمين صحي أكثر فائدة.
الفائدة الثالثة هي مبيعات أكثر بالنسبة للشركات من خلال دفع الزبائن لزيادة انفاقهم طوعًا، وهنا حكاية أخرى عن قدرة الأجهزة القابلة للارتداء على تطوير بيئة العمل.
ففي أحد الكازينوهات في ولاية لاس فيغاس الأمريكية زودت إدارة الملهى مدراء ومشرفي الصالات بساعات ذكية مع سوار جميل المظهر. يستطيع مدراء الضالات تنبيه الموظفين عند وصول ضيف مميز إلى طاولة القمار بطريقة مخفية، كذلك يتيح لهم التعرف بشكل سريع على اسمه ومناداته به، فيشعر الزبون بالإطراء والتقدير مما يجعله على استعداد لدفع المزيد من الأموال خلال ألعاب الحظ التي يمارسها.
الفائدة الرابعة هي تسهيل الأعمال، في بعض الاخبار تداولت المواقع الإلكترونية خبر غريب جدًا مرتبط بالأجهزة القابلة للارتداء، فقد قامت شركة في أمريكا بزرع رقاقة صغيرة بحجم حبة الرز في راحة أيد الموظفين لديها. سمحت هذه التقنية للموظفين بفتح أبواب المكاتب فقط عند لمسها، والتعرف عليهم عند قدومهم صباحًا بكل يسر وسهولة وحتى ساعدتهم في طلب أنواع المشروبات والمأكولات التي يتناولونها خلال نهار العمل فقط عبر تحريك أيديهم لتقوم الرقاقة بإعطاء الأمر من تلقاء نفسها.
من المدهش كم ستكون التكنولوجيا مرافقًا لنا سواء فيما نرتديه من أجهزة ذكية أو ربما يزرع في أجسادنا تمامًا كما صورته أفلام الخيال العلمي، ويبقى المدهش الأكبر قدرة الإنسان المستمرة على تطويع العلم والتكنولوجيا لخدمته.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة