لم يكن قدوم العام الجديد الأمر المبهج الوحيد للفرنسيين فحسب، بل ما جاء به هذا العام هو الأمر السارّ أيضاً حيث أصدرت الحكومة الفرنسية مؤخراً قانوناً يسمح للموظفين والعمال بعدم الرد على رسائل العمل في البريد الإلكتروني أو الاتصالات المتعلقة بالعمل خارج الساعات الرسمية.

وذكرت وكالة فرانس برس أن القرار الذي أطلقت عليه تسمية ” الحق في قطع الاتصال” جاء ملزماً للشركات التي يزيد عدد موظفيها عن 50 شخصاً، حيث يتوجب عليها التفاوض على ميثاق يضم قواعد جديدة لتنظيم ساعات العمل المتعلقة بالإنترنت، وتحديد الأوقات التي يتوقف فيها الموظفون عن إرسال أو الرد على رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل.

ويأتي هذا القرار الصادر مع اليوم الأول من العام الجديد، بمثابة المنقذ للموظفين الذين يعانون من الضغوط الكبيرة الناجمة عن ملاحقة الأعمال لهم حتى في أوقات استراحتهم وذلك بحكم طبيعة العمل العصرية، والذي جعله غير محدد بساعات معينة بل متوقعاً في كل حين ووقت.

 ذلك الأمر يؤثر بشكلٍ كبيرٍعلى صحة الإنسان العصبية والنفسية وكذلك العاطفية، لذلك يعد قرار كهذا عامل راحةٍ للفرنسيين في حال تم تطبيقه بشكل عملي يحقق الفائدة المرجوّة منه.

هل سيوفر القرار الجديد راحة الموظفين؟

لا ينكر الفرنسيون فضل حكومتهم في إصدارهذا القرار الأخير الذي يوفّر الراحة النفسية للموظفين، وخاصة الذين يستخدمون أجهزتهم للقيام بأعمال خارج ساعات العمل المحددة والتي تتجاوز نسبتهم الثلث بحسب الدراسة التي نشرتها مجموعة الأبحاث الفرنسية Eleas في شهر أكتوبر الماضي.

إلا أن أمر تنفيذ هذا القرار قد يدعو للتوقف والتدقيق بعض الشيء، وذلك خوفاً من حدوث استثناءات تحول دون تطبيقه بشكل عملي، حيث يمكن لبعض النقابات أن تتفق مع موظفيها على إمكانية المراسلة معه في أي وقت مقابل زيادة مالية تصل إلى 10%.

enjoying not answering the phone - alvexo

كما يؤخذ على القرار أنه لا يحمل على الواقع أي حوافز ترغّب أرباب العمل بالتفاوض مع موظفيها على تنظيم أمر الرد على البريد الإلكتروني خارج وقت العمل، كما لم يتم فرض عقوبات على الشركات في حال لم تتوصل إلى اتفاق بالتعهد بعد الاتصال بالموظف في هذه الأوقات الخاصة والتي تبلغ بحسب القانون الفرنسي الصادر عام 2000م 35 ساعة عمل أسبوعياً.

وفي حال بقاء نسبة من الموظفين للعمل بساعات إضافية بعد هذه المدة، فإن أجورهم لن تكون موازية للجهد المبذول والضغط الذي يسبب حدوث اضطرابات في النوم وقلق ومشكلات على صعيد التواصل مع أسرهم.

ويأتي هذا القرار ضمن مجموعة من القوانين الأخرى التي طرحت للمناقشة في شهر مايو أيار الماضي، ويعد أيضاً مكملاً لما طالب به الفرنسيون العاملون في القطاعات الرقمية منذ عامين، حيث توقفوا عن الرد على جميع رسائل العمل وذلك بعد الساعة السادسة مساءً، باستثناء بعض الحالات الاستثنائية القصوى.

ولا تعد فرنسا الدولة الوحيدة في تداولها لهذا الأمر، حيث أصدرت دول أوربية قرارات للحد من التواصل مع الموظفين خارج أوقات عملهم، مثل ألمانيا التي قامت شركة “دايملرالألمانية” للسيارات فيها بتوفير خيار إلكتروني يتم من خلاله حذف جميع الرسائل المستلمة خارج ساعات العمل وبشكل آلي بدلاً من الرد على تلك الرسائل،

وقامت أيضاً شركة فولكس فاجن للسيارات بإصدار قرار يمنع إرسال أي بريد إلكتروني للموظفين بعد انتهاء العمل بنصف ساعة، وهو ما أطلقت عليه الشركة اسم “استراحة البلاك بيري”.

فضلاً عن الكثير من الإجراءات الأخرى التي تنص على قطع البريد الإلكتروني مع الموظفين خلال ساعات المساء وفي عطلة نهاية الأسبوع، وكذلك حذف رسائل العمل المرسلة للموظفين خلال تواجدهم في إجازتهم بشكل تلقائي.

enjoying life after work - alvexo

لعل ما تم ذكره يفسر قيام حوالي 60% من الموظفين في فرنسا بالمطالبة بتنظيم يوضح حقوقهم ويضمن لهم الراحة النفسية خلال تواجدهم في البيت بعيداً عن ضغوط العمل، وخاصة أن الأوساط الفرنسية قد شهدت خلال الفترة الأخيرة مظاهرات ضد قانون العمل الجديد الذي تريد الحكومة العمل به، مع عدم مشاركتها للبرلمان في إقراره والذي ينص على:

أبرز نقاط القانون الجديد

تحاول الحكومة الفرنسية من خلال ما أطلقته مؤخراً كمشروع لإصلاح العمل أن تكسر من خلاله الحواجز لدخول سوق العمل، في بلد تصل نسبة البطالة فيه نحو 10%، إلا أن النقابات المعارضة تعتبره منحازاً لصالح الشركات وأرباب العمل.

وهو ما جعلها تعبّر عن رفضها له بجمع مسودة لتأييد شعبي جمع أكثر من مليون توقيع خلال 15يوماً ضد مشروع القانون الجديد، والذي نص على جواز تسريح العامل ودفع تعويضات لقاء خدمته وذلك في حال الأزمات الاقتصادية وتراجع استثمار الشركات ودخلها.

وعدم تحديد ساعات العمل في الشركات الصغيرة، وهو ما اعتبرته النقابات وسيلة لرفع ساعات العمل دون أجر ملائم، كما ينص على رفع ساعات العمل إلى 12 ساعة بعد أن كان 10 ساعات بحد أقصى، وستصبح مدة العمل الأسبوعية أكثر مرونة لتصل إلى 48 ساعة أو 60 ساعة في حالات استثنائية بعد أن كانت 35 ساعة، وغيرها من القرارات الأخرى.

يذكر أن الاهتمام بجانب الخصوصية واحترام الوقت الخاص، من القوانين الواجب احترامها ضمن قوانين العمل وذلك لما يترتب على خلط ساعات الراحة بساعات العمل من مخاطر وأضرار، حيث حذّرت شركة الاتصالات الفرنسية أورانج من خطر الربط بين الحياة المهنية والخاصة، وقال برونو المدير العام للشركة في حديث مع راديو Europe1 أن الحرص على إيجاد توازن صحيح ينظّم بين العمل والحياة الخاصة يؤدي إلى نتائج إيجابية أفضل على صعيد العمل.

 

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة