يبدو أن مرض الإيدز لم يعد المرض القاتل الذي يوصف ملفه عادةً بـ “الشائك” حيث ترفض الجهات الصحية في معظم دول العالم الكشف عن عدد الحالات المصابة به.

فقد أفادت أنباء وردت مؤخراً عن مريض قد شفي تماماً من الفيروس المسبب للإيدز، وهو فيروس “آتش آي في” HIV مما فتح باباً من الأمل أمام العلم، وشكل علامة بارزة تبشّر بعلاجات جديدة لهذا الفيروس.

الشخص الذي تعافى مؤخراً يعد الثاني في التاريخ ممن شفي من الفيروس، وذلك بعد زرع خلايا جذعيّة في جسمه، حيث أُعطِيَ خلايا من متبرع لديه طفرة جينيّة نادرة تُسمّى “سي سي آر 5- دلتا 32” وهي تمنح مناعة طبيعيّة ضد فيروس “آتش آي في”.

ويعد مجال علاج الإيدز من المجالات الطبية التي تهم الباحثين والعلماء بشكل كبير، وقد نشرت صحيفة الديلي ميل البريطانية أواخر العام الماضي عن توصل باحثين في معهد “باستور” في العاصمة الفرنسية باريس إلى طريقة لتدمير الخلايا المصابة بفيروس الإيدز، حيث قال متحدث باسم المعهد بأن العلاج المضاد استخدم لإيقاف انتشار الفيروس لكنه لم يتوصل لطريقة للقضاء عليه تماماً، ويبقى الفيروس بعدها مخزوناً في خلايا ليمفاوية، وقد تمكنوا عن طريق مثبطات التمثيل الغذائي من القضاء على الخلايا التي تخزن الفيروس.

إلا أن الأمل بالشفاء التام من هذا المرض قد تجدّد من جديد بعد التجربة الأخيرة التي حدثت مع الرجل الذي رفض ذكر اسمه، إلا أنه يعرف باسم “مريض لندن”.

كيف شفي مريض لندن من فيروس نقص المناعة “الإيدز”؟

تم تشخيص الرجل الذي يدعى بـ “مريض لندن” بإصابته بالفيروس عام 2003، كما شُخصت إصابته بسرطان الغدد الليمفاوية المعروف باسم “لمفوما هودجكين” المتقدم عام 2012، وقد توقف عن تناول أدوية مضادة لـ”آتش آي في” منذ ثمانية عشر شهراً، وعلى الرغم من ذلك لم يعاود الفيروس الظهور في جسمه.

وبحسب تصريحات البروفسور رافيندرغوبتا من “جامعة لندن كولدج”، فإن الفريق الذي اشتغل على هذا المريض قد بدا متحمساً جداً بشأن شفائه، مضيفاً إلى أن هناك حال من عدم التوهم بصدد القدرة على التوصل إلى علاجات لأعداد كبيرة من الناس، مؤكداً على أن حال المريض تفتح الباب فعلياً لمعرفة مدى قدرة الطب على استعمال العلاج الجيني لتعديل التركيب “سي سي آر5″، الذي يساعد في استقبال فيروس الإيدز عند دخوله الجسم، كما أوضح أن عملية زرع الخلايا الجذعية يصعب استعمالها لشفاء أعداد كبيرة من الناس.

 

عملية زرع الخلايا الجذعية ومستقبل المرض

برغم نجاح عملية زرع الخلايا الجذعية لدى مريض لندن، وبرغم ما زرعه نجاحها من أمل بالشفاء من مرض الإيدز، إلا أنها لا تعد أسلوباً قابلاً للتعميم. حيث تعد عملية نقل الخلايا الجذعيّة أسلوباً قاسياً، ويستلزم أن يسبقه علاج كيماوي أو شعاعي من أجل تدمير جهاز المناعة الموجود، بوصفه متأثر بالفيروس ولا يستطيع مقاومته، ثم يعطى المريض خلايا جذعية كي تعمل على صنع جهاز مناعة جديد قادر على التخلص من فيروس “آتش آي في”.

ومن المحتمل أن تحدث مضاعفات نتيجة نقل هذه الخلايا، وقد سجلت حالات إخفاق لمجموعة من المرضى ممن استخدم معهم هذا الأسلوب من العلاج، ومن هنا يقول العلماء بأن هذه الطريقة ليست أسلوباً عمليّاً يستخدم لعلاج المرضى على نطاق واسع، إنما يساعد في التوصل إلى تطوير علاجٍ شافٍ من ذلك الفيروس.

وفي حال التوصل إلى فهم سبب استفادة مرضى لعلاج ما وعدم استجابة آخرين له، فإن ذلك يكون بمثابة خطوة إلى الأمام في طريق الوصول إلى علاج للشفاء من فيروس الإيدز.

 

ماهو مرض الإيدز

الإيدز يعرف بأنه مرض يُصيب الجهاز المناعيّ نتيجة التعرّض للفيروس المعروف بفيروس العوز المناعيّ البشريّ، ويحتاج لمدة تتراوح مابين عامين وخمسة عشر عاماً من لحظة الإصابة بفيروس العوز المناعيّ البشريّ حتى يظهر، فهو المرحلة الأخيرة والأكثر تقدّماً من بين مراحل الإصابة بهذا الفيروس.
وقد أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن مرض الإيدز يتمثل بتدمير جهاز المناعة بشكلٍ كبير للغاية مما يجعل الشخص معرّضاً للمعاناة من مختلف أنواع العدوى، وكثير من السرطانات. وهو لا يزال مشكلة عالمية خطيرة، تسبب بوفاة ما يُقارب مليون شخص في عام 2016.
ولا يوجد لهذا المرض علاج حتى الآن، إلا أن العلاج المتبع للتخفيف منه يكون عن طريق إعطاء مضادات الفيروسات المخصصة للقضاء على فيروس العوز المناعي البشري بحيث تمنع الوصول إلى مرحلة الإيدز، وفي حال تمّ تشخيص المصاب بالإيدز فإنّه من المتوقع أن يعيش الشخص لثلاثة أعوام أو أقل إذا بقي دون علاج، وفي الحقيقة لا يُعزى سبب الوفاة إلى الداء ذاته، وإنّما للمضاعفات الناجمة عنه من أمراض وعدوى وسرطانات مختلفة.

رحلة العلاج طويلة

بالطبع لا يعد إيجاد العلاج لمرض الإيدز بالأمر السهل والميسر بل من المؤكد أنه يحتاج إلى سنين طويلة لحين الوصول إلى تلك النقطة، إلا أن العلماء وبحسب ما قاله آندرو فريدمان الأستاذ في جامعة كارديف بمقاطعة ويلز بأنه يجب إبقاء التركيز على التشخيص المبكر للإصابة بفيروس “آتش آي في” والبدء في العلاج الطويل الأمد بالأدوية المضادة له، موضحاً أن نقل الخلايا الجذعية نتيجة يصعب تكرارها في الجمهور العريض للمرضى المصابين بهذا الفيروس وذلك نظراً لارتفاع معدل الوفيّات المرتبطة بهذه العملية.
إلا أن ذلك لا يمنع العلماء من التفاؤل بشأن صنع علاج قابل للاستخدام العملي الواسع في المستقبل، والتركيز على إنجاز العمل العلمي أولاً ثم الجوانب الاقتصادية منها.
وقد وصف الدكتور جيرو هوتر الذي عالج أول مريض من المرض في ألمانيا، بأن هذه الحالة الجديدة من الشفاء تعد بمثابة جزء من الأخبار الطيبة وقطعة أخرى في بازل الشفاء من هذا الفيروس الخطير.
يذكر أن مرض الإيدز ومنذ ظهوره في الثمانينات قد تسبب بإصابة سبعين مليوناً من البشر به وتسبب بموت حوالي 35 مليوناً كان أغلبهم في إفريقيا، ويتيح التقدم الطبي رصد الإصابة المبكرة بالفيروس، كما يمكن للأدوية الجديدة السيطرة عليه، وتتبع بعض السبل لمنع انتشاره.
ويعد تيموثي راي براون هو أول رجل يشفى من فيروس”آتش آي في”، وقد تم علاجه في ألمانيا وبطريقةٍ مشابهة لمريض لندن الذي ظهر مؤخراً.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة