تبحث شركات صينية عملاقة فرص الاستثمار في تركيا التي تراجعت عملتها المحلية بنسبة 40% منذ بداية العام الجاري، في إطار هدف تنمية العلاقات التركية الصينية في كافة المجالات، وخصوصاً التجارة، الذي تسعى له كل من أنقرة وبكين بشكل متزايد.

تأزم العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، تسعى حكومة أنقرة لتنويع شبكتها من الشركاء على الساحة الدولية لإيجاد بدائل تجارية عن أمريكا التي فرضت مؤخراً ضرائب على الواردات التركية للولايات المتحدة وبالعكس.

وفي الوقت الذي تتجه فيه تركيا نحو شراكة مع الصين لا تقتصر على الجانب التجاري فقط وإنما تشمل مجالات حيوية أخرى، تهتم الصين باستعادة نفوذها في منطقة الشرق الأوسط.

وبعيداً عن واشنطن، تسعى تركيا لاستقطاب شركاء اقتصاديين وتجاريين جدد، فبدأت تتجه شرقاً نحو الصين وتعمل على خلق أرضية خصبة من أجل تنمية التعاون مع بكين بالأعوام المقبلة، فيما تتطلّع بكين إلى تعزيز حضورها في منطقة الشرق الأوسط على الصعيد الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري.

والاستثمارات الصينية التي تتدفق إلى تركيا بشكل متزايد مؤخراً، تؤكد أن أنظار أنقرة ودول منظمة شنغهاي للتعاون تتجه نحو أوراسيا، لا سيما بعد توتر العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة.

لماذا تبحث الشركات الصينية عن فرص الاستثمار في تركيا؟

تدرس شركات صينية كبيرة فرص الاستثمار في تركيا التي شهدت عملتها هبوطاً حاداً ما شجع المستثمرين كون الأصول المحلية باتت أرخص.

ومن هذه الشركات الصينية، عملاق التكنولوجيا علي بابا – التي استحوذت على شركة ترينديول التركية لبيع التجزئة عبر الإنترنت- وشركة الصين لتأمينات الحياة، ومجموعة تشاينا مرشانتس، والتي أبدت اهتماماً بقطاعات التعدين والطاقة والتجزئة والبنية التحتية والتأمين في تركيا.

وعبرت شركات للطاقة مقرها بكين عن رغبتها في ضخ استثمارات بمصانع الطاقة بتركيا تساعدها على سداد ديونها، إذ كانت من أكثر المتضررين من هبوط الليرة التركية كونها تستورد حاجاتها من الخارج بالعملات الأجنبية.

وسجل سعر صرف العملة التركية مقابل الدولار ارتفاعاً بنحو 6% نهاية الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى خلال شهر يتم تداول العملة الأمريكية دون مستوى ست ليرات، تزامناً مع التفاؤل بتحسن علاقات أنقرة مع الجانبين الأمريكي والأوروبي.

وفي وقت سابق، كشفت تركيا أنها تعتزم في الأشهر المقبلة، البدء بمشروع بناء محطة الطاقة النووية الثالثة بالتعاون مع الصين.

وفي أغسطس (آب) الماضي، زار اسطنبول 59 من أغنى رجال الأعمال الصينين وفي مقدمتهم الملياردير الصيني، صاحب شركة علي بابا جاك ما، لعقد شراكات واستكشاف فرص استثمارية جديدة تدعم الاقتصاد التركي وتقوي العلاقات التجارية بين البلدين.

والتقت المجموعة الصينية التي تضم رجال أعمال ثرواتهم تتراوح بين 15 و30 مليار دولار، بمسئولين وكبار رجال الأعمال من أجل تأسيس مشاريع جديدة ومشتركة في القطاعين الخاص والعام.

وبعد زيارة ناجحة إلى الصين في مايو (أيار) الماضي، حصلت تركيا في يوليو (تموز) على حزمة قروض من مؤسسات مالية صينية بقيمة 3.6 مليارات دولار لصالح بنوك ومؤسسات خاصة وعامة لاستخدامها في استثمارات بقطاعي الطاقة والمواصلات.

china and turkey flag

تسارع تدفق الاستثمارات الصينية إلى تركيا

لم يكن هبوط الليرة التركية العامل الوحيد الذي يشجع المستثمرين على دخول السوق التركي، فالتركيبة السكانية للبلاد تشكل مصدر جذب للمستثمرين في القطاع الصناعي الذي يركز على المستهلك في المدى الطويل، خصوصاً أن تعداد سكان تركيا يُقدّر بثمانين مليون نسمة تشكل فئة الشباب نسبة كبيرة منها تعد من بين الأعلى أوروبياً.

وعليه، عزز الصينيون مكانتهم في الاقتصاد التركي وعملوا على ضخ استثمارات جديدة وأفق اقتصادية واعدة، حيث استحوذت شركة زد تي إيه الصينية العملاقة للهواتف الذكية على 48.8% من شركة الاتصالات التركية تورك تيليكوم، كما اشترى بنك الصناعة والتجارة الصيني حصة تبلغ 75.5% من تكستيل البنك التركي مقابل 315 مليون دولار.

ويضم السوق التركي الآن ما يفوق ألف شركة صينية تنشط في مجموعة متنوعة من القطاعات، ومع دخول البنك الصناعي التجاري الصيني وبنك الصين، وازدهار قطاع التجارة الإلكترونية في الآونة الأخيرة، تزايد تدفق الشركات الصينية إلى تركيا، وبدأت الشركات الصينية العاملة في قطاعات الخدمات اللوجستية والإلكترونيات والطاقة والسياحة والمالية والعقارات بتوسيع نطاق مشاريعها.

طريق الحرير رابط تجاري قوي بين بكين وأنقرة

جذبت تركيا اهتمام الصين، منذ إطلاق مبادرة طريق الحرير والحزام خلال 2013، والذي تعتمد عليه بكين لزيادها نفوذها الدولي من خلال تمويل وبناء شبكة للنقل والتجارة تربط بين ما يفوق ستين دولة في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

وتركيا التي تعد دولة ذات ثقل في المنطقة والعالم الإسلامي، وعضو في مجموعة الدول العشرين الصناعية، تحتل موقعاً جغرافياً هاماً على طريق الحرير.

ومن جهة أخرى يعد مشروع طريق الحرير الحديدي الذي يربط بين بكين ولندن هو محل اهتمام تركي، إذ تعول أنقرة عليه من الناحية الاقتصادية والتربوية والسياحية، وترجح الصين أن تفوق تجارتها مع دول الحزام والطريق 2.5 ترليون دولار بحلول 2025.

وتشهد العلاقات التركية الصينية تحسناً على كافة المستويات، تجارياً، باتت الصين ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا بعد ألمانيا، فيما تعد بكين أكبر مورد تجاري لتركيا، ووصل حجم التجارة بين البلدين إلى 21.9 مليار دولار.

وبالنسبة لقطاع السياحة، ارتفع عدد السياح الصينيين الذين استضافتهم تركيا بشكل كبير، كما أن حجم إنفاقهم الذي يفوق حجم إنفاق السياح من دول أخرى يساعد تركيا على جني مكاسب مالية واقتصادية هائلة.

وتجهز 40 شركة تركية نفسها للمشاركة في معرض الصين الدولي للاستيراد، الذي سينعقد في شنغهاي خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، ومن المرجح أن يستقطب نحو مائة وخمسون ألف مشترِ من حوالي 100 دولة.

ختاماً تعد تركيا والصين من أهم البلدان الصاعدة اقتصادياً، نظراً للمقومات المتوفرة في الأسواق النشطة لكلا البلدين، وعليه ستتخذ بكين إجراءات جديدة لتشجيع الاستثمار في تركيا وتصدير المنتجات التركية إلى الأسواق الصينية، واعتماد العملات المحلية في المبادلات التجارية والاستثمارية بين الطرفين، ما سيقلل التكاليف والمخاطر الناجمة عن سعر صرف عملتي البلدين.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة