الليرة التركية تفقد أكثر من نصف قيمتها خلال العام الحالي

51

تحاول الليرة التركية الصمود أمام القرارات النقدية التي يتخذها البنك المركزي التركي  بخفض أسعار الفائدة في الوقت الذي يتجه فيه العالم إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة الموجة التضخمية، حيث يرى المتحكمون في الليرة التركية أن التضخم سببه الحقيقي معدلات الفائدة المرتفعة أي أنهم يتحدثون عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، ويبدو أن السياسة النقدية التركية الحالية تدفع في اتجاه هدف نظري بعيد المدى. ولكن هذا الهدف لم يأخذ في حسبانه الأوضاع النقدية الحالية على المستوى العالمي، فهل تنجح تجربة صانعوا السياسة النقدية التركية؟  وإلى أين تتجه الليرة التركية؟

نظرة على أداء الليرة التركية

تشهد الليرة التركية تراجعا حادا متتابعا منذ بداية جائحة كورونا في 2019، فقد بدأ التراجع عام 2019 مع سعر صرف للدولار أمام الليرة ليصل في البداية عند 5.2 ليرة للدولار تقريبا، وقد شهد استقرارا نسبيا خلال العام مع تراجع طفيف أمام الدولار الأمريكي ليصل إلى 5.7 ليرة للدولار بنهاية العام. أما في نهاية عام 2020 كانت الليرة قد تراجعت أمام الدولار الأمريكي إلى 7.5 ليرة/ دولار تقريبا.

الليرة التركية مقابل الدولار
الليرة التركية مقابل الدولار

 وابتداءا من العام الجاري، شهدت العملة التركية تراجعا حادا، يصفه البعض بأنه انهيار في قيمة الليرة، فمن 7.5 ليرة للدولار إلى 16.3 ليرة للدولار حاليا، أي أن العملة التركية قد خسرت خلال 2021 فقط أكثر من 117% من قيمتها خلال العام الجاري، فلماذا تراجعت الليرة بهذا الشكل المخيف؟

الليرة التركية وبداية جائحة كورونا

من المعروف أن السياسة النقدية من أهم أولوياتها الحفاظ الحفاظ على مستويات الأسعار في الأسواق
وكبح جماح التضخم، إلى جانب الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية.
خلال بداية جائحة كورونا لم تتضرر العملة التركية من خفض أسعار الفائدة البنكية في تركيا،
والسبب في ذلك أن الأمور كانت ملائمة داخليا وخارجيا لتلك السياسة.
فداخليا كانت معدلات التضخم في تراجع مستمر بسبب فرض إجراءات الإغلاق و تعطل حركة الأسواق وبالتالي تراجع معدلات الطلب على السلع والخدمات.

 أما خارجيا فكانت البنوك المركزية حول العالم تقوم باتباع سياسات نقدية تسهيلية من أجل دعم مستويات الطلب على السلع والخدمات
كما أن أسعار النفط كانت في مستويات متدنية للغاية خلال الفترة الأولى لجائحة كورونا وهو ما ساهم في خفض معدلات التضخم داخليا وخارجيا.

الليرة التركية وبداية السقوط الحر

مع بداية فتح الأسواق و تخفيف قيود الإغلاق، كان من الطبيعي أن تواكب السياسة النقدية التركية تلك التغيرات العالمية، بأن تتجه لرفع مستويات الفائد الداخلية لدعم استقرار الطلب  الخارجي على العملة وجذب الأموال، وذلك إلى جانب السيطرة على معدلات التضخم الداخلية والتي شهدت ارتفاعا قويا مع إعادة فتح الأسواق وارتفاع الأسعار العالمية للوقود،حيث تستورد تركيا نحو 53% من إجمالي استهلاكها من الوقود ومن المعلوم أن الوقود يؤثر بقوة في أسعار الكثير من المنتجات الأساسية.

من جانب آخر، فقد أدى تدخل الرئيس التركي رجب أردوغان بشكل واضح في توجيه السياسة النقدية عن طريق إقالة ثلاثة محافظين للبنك المركزي في وقت وجيز إلى حالة من عدم الثقة لدى المستثمرين الأجانب تجاه السياسة النقدية التركية واستقلاليتها، وهو ما تسبب في تراجعا قوي شهدته الليرة ابتداءا من أغسطس 2021، حيث فقدت ما بين أغسطس وحتي اليوم نحو 97.5% من قيمتها وهو ما يعتبره بعض المراقبين انهيارا في الليرة.

قرارت نقدية ضد التيار!

على الرغم من التراجع المتلاحق في سعر الليرة إلى جانب ارتفاع مستويات التضخم
والتي تجاوزت 21%على أساس سنوي مع تجاوز مؤشر أسعار المستهلكين التركي حاجز 600 نقطة،
إلا أن البنك المركزي التركي يواصل اتباع نفس النهج المضاد لتيار السياسة النقدية،
حيث يواصل المركزي التركي تخفيض أسعار الفائدة بحيث بلغت وتيرة الخفض 400 نقطة أساس خلال أربعة شهور
فقط لتستقر عند مستويات 14%
بما يعني مستوى فائدة حقيقي سلبي وتآكل القيمة الحقيقية لمدخرات الأفراد.

 إلى أين يتجه الاقتصاد التركي؟

بالنظر إلى تحركات الليرة التركية الحالية والسياسة التسهيلية التي يصر على اتباعها البنك المركزي التركي، فإنه من غير المتوقع أن نرى تعافيا قريبا في أسعار الليرة التركية، بل إن المستقبل القريب لليرة التركية قد يحمل معه مزيدا من التراجع والتدهور في أدائها إذا ما استمر اتجاه السياسة النقدية على ما هو عليه على المستوى العالمي.

5_1_SEO

أما إذا أدى انتشار متحور أوميكرون إلى دفع صانعي السياسات النقدية حول العالم إلى تهدئة وتيرة سحب السياسات التسهيلية
-كما أشار محافظ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي “جيروم باول” خلال المؤتمر الأخير للجنة السياسة النقدية-
فإن ذلك قد يمثل سببا مؤقتا لتهدئه وتيرة التراجع في الليرة التركية.

أما على المدى المتوسط والبعيد فإن أداء مؤشرات الإنتاج والصادرات وسوق العمل التركي وأداء الميزان التجاري
سيكون هو المؤشر الأقوى على مستقبل الاقتصاد التركي بشكل عام.