مر عام على حصار قطر استطاعت خلاله أن تتجاوز الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، ومن وجهة نظر المراقبين والمحللين، نجحت قطر في التعامل بشكل جيد مع الوضع الذي فرضته عليها كل من الإمارات والسعودية والبحرين ومصر منذ 5 يونيو (حزيران) 2017.

ويوضح خبراء ومحللون أن قرار الدول الأربع لم يأخذ بعين الاعتبار قوة الاقتصاد القطري والعلاقات الجيدة التي تجمع بين الدوحة والأسواق العالمية، ومن جهة أخرى الأداء الدبلوماسي لقطر وصلتها الوثيقة وسمعتها ورؤيتها الواضحة التي أكسبتها ثقة وصداقات دولية هامة.

وتشير تقارير صحفية إلى أن دول الحصار تواجه اليوم ضغوطاً دولية لتوضح أسباب اتخاذها قرار المقاطعة أو التراجع عن الخطوة فوراً، خصوصاً أن قطر أبلت بلاءً دبلوماسياً حسناً وأكثر هدوءاً واتزاناً من تلك الدول.


ولفت صندوق النقد الدولي إلى أداء الاقتصاد القطري الجيد خلال عام الأزمة، إذ نجحت الدوحة في فتح منافذ تجارية جديدة مع تركيا وسلطنة عمان وإيران، واستطاعت توظيف الحصار لصالحها عبر تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي، وعملت على زيادة حجم الودائع الحكومية في البنوك، وقدمت تسهيلات جديدة للحصول على التأشيرة تشجيعاً للسياحة والاستثمار، وغير ذلك من إجراءات.

ما دور المُنتَج الوطني في مواجهة حصار قطر؟

منذ بداية المقاطعة الخليجية لدولة قطر، اتجهت الدوحة نحو تنويع الاقتصاد والاستغناء عن المنتجات القادمة من دول الحصار، وإعطاء الأولوية للمنتج المحلي، والربط مع أسواق بديلة.

واتجهت الدوحة في سنوات ما قبل الحصار إلى بناء مخزون غذائي استراتيجي تحسباً لأي طارئ ينجم عن التوترات مع جيرانها الخليجيين (سحب السفراء خلال 2014)، وفي أواخر 2016، ارتبطت مع الصين والهند وتركيا والسلطنة بخطوط مباشرة، وباتت المتاجر تعج ببضائع منتجة بالداخل، من الحليب ومشتاقته، إلى الخضار والفواكه وغيرها من السلع.

ويعتبر الخبير الاقتصادي عبد الله الخاطر أن دول الحصار خسرت أيضاً عند حاولت إغراق السوق القطري بمنتجاتها عبر أسواق بديلة وبأسعار منافسة للمنتج الوطني، إذ منعت الدوحة سلع دول الحصار من السوق ما أفشل خط الإغراق.

بدوره، لفت الخبير الاقتصادي سيف بن سعد السويدي إلى عزوف المستهلكين في الدولة عن منتجات دول الحصار، معتبراً أن القرار الحكومي جاء بدعم شعبي مسبق، كخطوة تؤدي لانتعاش الصناعات المحلية والمنتجات القادمة من الأسواق البديلة.

وبذلك فقدت السعودية حصتها في السوق القطري بالكامل، إذ كانت تعد مصدر الدوحة الرئيسي من السلع الغذائية، ففي عام 2015 بلغت قيمة صادرات السعودية إلى قطر من سلع غذائية واستهلاكية ومواشي ما يقارب 1.1 مليار دولار.

Emir of Qatar Sheikh Tamim bin Hamad al-Thani speaks during a news conference in Doha
أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. تصوير نسيم زيتون/رويترز

المُضي قدماً في التطوير والتنمية

وعليه، أفاد صندوق النقد الدولي، أن الآثار الاقتصادية الناجمة عن حصار قطر بدأت تتلاشى بعد أشهر قليلة، واستطاعت فتح أبواب تجارية جديدة، كما استعاد القطاع المصرفي نشاطه بعد تدخل من مصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار.

بدوره، نوه وزير الطاقة القطري بأن الدوحة تسعى لتوسيع قاعدة الصناعة بهدف تنويع الاقتصاد، وبعد ثمانية أشهر من الحصار زادت الطاقة الإنتاجية لقطاع الصناعات الغذائية بنحو 300%.

وعلى صعيد آخر رصدت قطر 200 مليار دولار لتطوير بنيتها التحتية من طرق وسكك حديدية، وضخت 50 مليار دولار لتحصين نظامها المصرفي، ورجحت تقارير صحفية أن يتحول العجز (1.6% من إجمالي الناتج المحلي) إلى فائض بنحو ثلاثة بالمائة، مع ارتفاع أسعار النفط.

وتعمل قطر على إبرام تعاقدات طويلة الأمد في مجال تصدير الغاز لكل من بنغلاديش وفيتنام، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في المشاريع الاستثمارية، فضلاً عن تنشيط القطاع السياحي.

تصورات إيجابية تجاه الاقتصاد القطري

وكشفت دراسة أجراها معهد البحوث الاجتماعية الاقتصادية المسحية في جامعة قطر تحت عنوان “قطر في مواجهة الحصار”، أن ما يفوق 80% من المواطنين لديهم تصورات إيجابية تجاه الاقتصاد القطري.

وأظهرت النتائج أن اهتمام المواطنين بمتابعة الأخبار السياسية زاد ليشمل 90% منهم، فيما اعتبر 62% من المواطنين المشاركين في المسح، أن قطر يجب أن تنأى بنفسها وتستقل تماماً عن أي تحالفات إقليمية مع غياب الثقة في هذا المحيط.

وعليه، يرى 86% من المواطنين أنه يجب على قطر السعي للدخول في تحالفات جديدة مع قوى إقليمية داخل المنطقة، معتبرين أن المقاطعة الخليجية لدولة قطر أظهرت أن تركيا هي الحليف الأكبر لقطر بالدرجة الأولى لتتبعها دولة الكويت في المرتبة الثانية.

احتواء الأزمة دبلوماسياً

اتبعت الدوحة سياسة خارجية متوازنة أثناء الأزمة، وكثفت مساعيها لحل مشكلة المقاطعة الخليجية لدولة قطر بشكل سلمي، ومتوافق مع مبادئ القانون الدولي، والتمسك بلغة الحوار وسياسة حسن الجوار مع الحفاظ على السيادة الوطنية.

وعبر استخدام الحجة والمنطق في دحض ادعاءات دول الحصار حول دعم قطر للإرهاب، استطاعت الدوحة كسب تأييد وثقة معظم المنظمات الدولية والدول الفاعلة ووسائل الإعلام الدولية، وإقناعهم بصوابية رؤيتها.

وفي هذا السياق، دعا وزير الخارجية الامريكى مايك بومبيو من الرياض إلى ايقاف حصار قطر، ما يشكل نوعاً ما تحول في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة، حيث أشارت تقارير أمريكية إلى أن تحركات دول الحصار ونيتها لتطوير الأمر إلى تدخل عسكري جاء بعد لقاءات وقمم جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقادة الدول العربية والإسلامية في الرياض، وتطمينات من صهره جاريد كوشنير المعروف بعلاقته الوطيدة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

كما أشاد ترامب في لقاء جمعه بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، بجهود الدوحة لاحتواء الأزمة والحفاظ على الوحدة الخليجية، ومن المقرر عقد قمة خليجية في كامب ديفيد لحل أزمة حصار قطر في سبتمبر (أيلول) القادم، لكن الرئيس الأميركي طالب بإنهاء الحصار قبل انعقادها.

وتأتي هذه الجهود الأمريكية للمصالحة في إطار معالجة الملف الإيراني النووي ونفوذها العسكري في المنطقة التي تتصاعد وتيرة الصراع فيها خلال الآونة الأخيرة.

ختاماً، يمكن القول أن الدوحة بفضل حراكها الدبلوماسي المتزن في مختلف أرجاء العالم، وأدائها الاقتصادي الجيد استطاعت التصدي للحصار المفروض عليها من قبل دول الخليج وتحويله من محنة إلى منحة وفرصة يجب الاستفادة منها للتغيير على المستويين السياسي والاقتصادي.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة