انتقل اهتمام خبراء المال مؤخرًا، للحديث عن توقف طرح أسهم أرامكو في البورصات العالمية فيما يبدو على أنه قرار تصحيحي من المملكة العربية السعودية، بعد أن سعت الأخيرة -في وقت سابق -لبيع 5 بالمائة من أسهم الشركة الوطنية للنفط بغرض جمع 100 مليار دولار أمريكي هذا العام.

وجاء الحديث مترافقًا مع تصريحات لوزير الطاقة السعودي خالد المفلح قال فيها أن التركيز حاليًا ينصب على” شراء حصة استراتيجية” في مصنع البتروكيمياويات المحلي “شركة سابك”.  وعلى الرغم من أن حديث الوزير السعودي لم يغفل أيضًا نفي التراجع عن قرار طرح اسمهم أرامكو، إلا أنه كان غير كافي لتبديد الغموض بشأن عملية الإدراج.

وكان الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية، قد اعتمد على بيع جزء من الشركة العملاقة والمملوكة للدولة، في تمويل خطته الاقتصادية التي تحمل اسم “رؤية 2030” وتهدف إلى تنفيذ سلسلة ضخمة من الإصلاحات.

ضبابية الوضع الحالي ونقص المعلومات حول صفقة الإدراج العملاقة، أظهرت “التخبط والضعف” في مراكز اتخاذ القرار على المستوى السياسي والاقتصادي معًا في المملكة، كما كشفت خلافات محتملة بحسب المتابعين للشأن السعودي.  على النقيض من ذلك يعتبر المسؤولون السعوديون أن المملكة تدرس خياراتها المتاحة بدقة، وتتمتع بالبرغماتية الكافية لإدارة عملياتها والاستفادة من نضج الظروف الملائمة قبل الطرح.

هل تم إلغاء طرح أسهم أرامكو؟

نقلت وكالة الأنباء العالمية رويترز يوم الأربعاء الماضي، عن مصادر صناعية كبيرة في المملكة، لم تسميها، أن عملية طرح أسهم أرامكو قد “توقفت بالكامل” ثم اضافت الوكالة على لسان مصادرها أنه تم تسريح عدد من المستشارين الماليين، ممن كان يشرف على عملية التحضير للطرح.

لكن ذلك يتنافى مع الزيارة الأخيرة التي قامت بها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي برفقة رئيس بورصة لندن إلى المملكة العربية السعودية، حيث تم مناقشة تفاصيل العملية الاقتصادية الأضخم تاريخيًا لطرح الأسهم. كما أبدت بريطانيا حينها اهتمامها الكبير في الموضوع على اعتبار بورصة لندن جاهزة تشريعيًا لإدارة مشروع طرح أسهم أرامكو.

من جهة ثانية، يعتبر تصريح الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية العملاقة لإنتاج النفط (أرامكو) أمين الناصر حول اهتمام شركته حاليًا بتنفيذ “صفقة استحواذ” لحصة كبيرة من شركة سابك للبتروكيماويات، خلال الأشهر القادمة، تبرير منطقي حول إعادة ترتيب الأولويات على الصعيد الاستراتيجي لـ أرامكو، الأمر الذي قد يؤخر عملية الطرح ولا يلغيه.

اقرأ المزيد: أرباح أرامكو 1.9 مليار عن كل دولار واحد في سعر النفط

تصريحات الرئيس التنفيذي، اثارات التشكيك في نية الشركة، وكشفت للبعض وجود خلافات بين المسؤولين السعوديين ومستشاريهم حول مكان الإدراج، وهو ما تحدث عنه موقع” ميديل ايست آي” البريطاني الشهر الماضي.

الطرح ما بين لندن أو نيويورك! 

يتمحور الخلاف في وجهات النظر بين المسؤولين في المملكة، حول جدوى بيع جزء من الشركة الوطنية التي تعتبر من أساسيات الأمن القومي السعودي اقتصاديًا، ويتبنى هذا الرأي وزير الطاقة السعودي خالد المفلح، فيما يعتبر ولي العهد محمد بن سلمان أن العائد المقدر بـ 100 مليار دولار أمريكي مقابل 5 % من اسهم الشركة، أمر جيد وتحتاجه رؤية 2030 الاقتصادية التي وضعها الأمير لإيقاف اعتماد المملكة على النفط وتنويع مصادر الدخل.

كما يقود كلًا من الوزير السعودي والرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر التيار الذي يفضل بورصة لندن كمكان الطرح الأولي لأسهم أرامكو إن تم، فيما يرغب ولي العهد باستخدام بورصة نيويورك بغض النظر عن المصاعب التقنية والمخاطر السياسية.

وتقف في وجهة اختيار بورصة نيويورك عقبات منها، ان البينة التشريعية والتنظيمية هناك، تطلب بيع 25 % من أسهم الشركة حتى يكون الطرح عام، وهي نسبة تفوق المراد التخلي عنه بخمسة اضعاف. كما تطالب بالشفافية المطلقة حول المعلومات الاقتصادية المرتبطة بالمخزونات ومشاريع الشركة وواقعها المالي، وهي بيانات تعتبر حساسة على نطاق الأمن القومي للمملكة العربية السعودية.

وبحسب مراقبين اقتصاديين، فإن الشركة قد تم المبالغة في تقيم سعرها في الوقت الذي لا يوجد فيه ضمان كافي لبقاء أسعار النفط فوق مستوى 50 دولار أمريكي للبرميل الواحد، مما يعني ان العائدات ستكون اقل من المتوقع للمستثمرين، وهو ما ينقص سعر السهم بواقع النصف، ويترك ولي العهد السعودي مع صفقة بقيمة 50 مليار دولار أمريكي بدلًا من 100 كان يخطط لها.

تراجع أسعار النفط كما حصل عام 2014 دون عتبة 40 دولار أمريكي للبرميل الواحد، سيكون كفيل بنسف الصفقة بالكامل وهو الشيء الذي يشكل مخاطر اضافية

قانون جاستا التهديد بضياع كل شيء

على النطاق السياسي، يقف قانون جاستا الأمريكي كشبح خطر كبير يهدد المصالح السعودية، وقد يكون له الدور الأبرز في ابتعاد المملكة عن بورصة نيويورك خلال عملية الطرح. حيث ينص القانون الذي اقره الكونغرس الأمريكية على قدرة ضحايا الإرهاب في مقاضاة الدول الراعية له، ويسمى بصورة أوضح ” تطبيق العدالة على رعاة الإرهاب” وهو الأمر الذي يسمح لأي شخص من رعايا الولايات المتحدة الأمريكية في مقاضاة دول ذات سيادة، والمطالبة بالحصول على تعويضات مالية عبر مصادر أصول تعود لتلك الدول.

يخشى المستشارين في السعودية، من استخدام هذا القانون ضد المملكة وبالتالي تهديد المصالح المالية والاقتصادية، وصولًا إلى مصادرة الممتلكات في مرحة متقدمة وهو الأمر الذي لا يوجد في بورصة لندن، مما يعطي نقطة تفوق لصالح بريطانيا مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية التي يصر ولي العهد محمد بن سلمان على استخدامها في عملية الطرح.

مبالغة في التقييم

فيما يرتبط بالجانب الاقتصادي، يقول الخبير النقدي خالد الخاطر، انه يوجد تقيم مبالغ فيه لقيمة أسهم الشركة عن وضع الخطة، وان الأسعار اقل بواقع النصف.

هذا الموضوع يعني أن الشركة لن تستطيع تقديم دراسة مالية واثباتات لأي جهة تساعد في تنظيم عملية طرح أسهم أرامكو، الأمر الذي يعني عدم قدرة أرامكو بتوليد بيانات تغطي تريليونين دولار أمريكي، وهو المبلغ الذي رسمت على أساسه الخطة.

يذكر ان شركة أرامكو التي تعتبر أكبر منتج للنفط الخام في العالم، قد أنتجت ما معدله 10.2 مليون برميل يوميًا، تم تصدير 6.9 مليون برميل منها للخارج، بحسب ما ورد في التقري السنوي للشركة عام 2017

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة