أصبحت التكنولوجيا جزء لا يتجزأ عن مختلف مناحي الحياة، وفي القطاع المالي يمكن أن تصبح النقود بأشكالها المختلفة ضرباً من ضروب الماضي، مع زيادة التوجه لاعتماد التعاملات الرقمية، وتعد السويد الدولة التي تقود السباق نحو مجتمع غير نقدي.

وفي بلد متقدم تقنياً مثل السويد بات من الطبيعي انتشار عبارة “لا نقبل بالدفع نقداً” على واجهة الكثير من المحلات التجارية والمطاعم، ومنذ سنوات لم تعد الحافلات تستخدم النقود، وباتت الكثير من المصارف تعتمد بشكل كامل على التعاملات الرقمية، وتطبيقاً للقانون السويدي لا يمكن لتجار التجزئة قبول النقود، والدفع بواسطة الهواتف الذكية أو بطاقات الائتمان هو الأسلوب المعتمد لدى الباعة المتجولون أو حتى لجمع التبرعات.

وتسير السويد بسرعة نحو مستقبل غير نقدي، فسجل التداول النقدي أدنى مستوى له العام الماضي مع تراجعه إلى 40%، وبدأت تختفي آلات الصرف الآلي في كثير من المناطق وخاصة الريفية، وأصبح من الصعب سحب مبلغ نقدي من البنوك مع توجه أغلبها نحو التعاملات الرقمية.

وأثار هذا التحرك السريع لنبذ الكاش، قلق البنك المركزي السويدي الذي بدأ يدرس خيارات إصدار عملة كرونة إلكترونية مع إمكانية الحفاظ على الفواتير والقطع النقدية واستخدامها لإكمال التعاملات المالية بشكل مناسب.

ما الآثار المترتبة على اعتماد التعاملات الرقمية في السويد؟

يشهد الاقتصاد تغيرات كبيرة مع تزايد الاتجاه غير النقدي واعتماد التعاملات الرقمية باعتبارها الوسيلة الأكثر أماناً، والسبب أن النقد هو وسيلة تبادل لا يمكن تتبعها ما يشجع على الأعمال غير القانونية، كالسرقة وتجارة المخدرات وغسيل الأموال والفساد والرشوة والتهرب الضريبي وغيرها.

ومع تراجع استخدام النقد في السويد انخفض مستوى الجريمة في البلاد بشكل ملحوظ، وتراجعت عمليات سطو البنوك من 110 عملية في 2008 إلى 16 عملية خلال 2011، فضلاً عن انحسار عمليات سطو السيارات التي تنقل الأموال.

وباتت عملية التحصيل الضريبي في السويد أكثر كفاءة، فمع اعتماد التعاملات الرقمية التي يمكن تتبع أثرها، اختفت مشكلة التهرب الضريبي التي تعاني منها دول كاليونان وإيطاليا، كما أن التخلص التدريجي من الكاش جعل من الصعب أن تكون العملة المحلية داعمة لأشكال الفساد في البلاد.

لكن في المقابل، هناك آثار سلبية مترتبة على التحول إلى مجتمع غير نقدي، كالاحتيال والإرهاب الإلكتروني، ووقوع الشباب في معضلة الدَين، وشعور كبار السن بالتهميش والاستبعاد مع الوقت كونهم يعتمدون النقد في تعاملاتهم.

وهناك قلق بشأن مدى تكييف 1.8 مليون شخص متقاعد من أصل عشرة ملايين نسمة في السويد، نتيجة اعتماد البطاقات أو الهواتف الذكية لاستخدام الحافلات أو حتى المراحيض العامة، خصوصاً أن 50% من أعضاء المنظمة السويدية للمتقاعدين يستخدمون النقود في تعاملاتهم مقابل 7% منهم فقط يلجؤون للتعاملات الرقمية.

وتقليص استخدام النقود يثير تحفظات حول انتهاك الخصوصية نتيجة اعتماد نظام إلكتروني يقوم بتسجيل جميع العمليات المالية، وأيضاً تأثير الدفع الرقمي على السياحة مع اضطرار الزائر إلى امتلاك بطاقات مسبقة الدفع أو هاتف محمول مسجل في السويد ليستطيع التنقل وزيارة الأماكن السياحية، فمثلاً متحف آبا الذي يضم تاريخ أهم فرقة بوب خلال سبعينات القرن الماضي، لم يعد يقبل الدفع بالعملات المعدنية أو حتى أوراق البنكنوت.

ورغم أن الفضاء غير النقدي بالكامل تثار حوله الكثير تساؤلات ومناقشات، لكن من الصعب عدم رؤية تنامي التعاملات الرقمية، وظهور التطبيقات الخاصة بالدفع الإلكتروني.

تكيّف السويديون مع التكنولوجيا المالية

بخلاف المجتمعات العربية التي تعاني مع التكنولوجيا المالية، يتمتع السويديون بحس تقني عالي، وتجلى ذلك بطرح تطبيقات وبرامج على الهواتف الذكية تساعد في تسهيل التعاملات الرقمية، وأهمها برنامج سويش الذي يعتمد عليه حوالي نصف المجتمع السويدي، وتستخدمه بنوك كبرى مثل نورديا وهاندلس لتحويل الأموال من حساب بنكي لآخر بوقت قياسي، وبات هذا البرنامج معتمد بكثرة لجمع التبرعات في الكنائس.

وساعد برنامج آي زيتيل على رفع مبيعات الباعة المتجولون 30%، ومن خلاله يمكن لأصحاب المشاريع الصغيرة سحب المال بواسطة قارئ بطاقات الائتمان الذي يتم وصله بالهاتف المحمول.

ويتكيف الشعب السويدي مع أي تكنولوجيا تسهل المعاملات التجارية عبر الهواتف الذكية، فنجد جهاز قارئ بطاقات الائتمان بيد الجميع، حتى الشخص المحتاج الذي يقف لطلب المساعدة من الناس.

وما يساعد على تقبل التطبيقات الحديثة وتبنيها بسرعة لتصبح ثقافة مجتمع، هو أن الدولة تتيح لطلبة المدارس عند بلوغهم 12 عاماً أجهزة الكترونية بشكل مجاني، وبالتالي تتلاشى حاجة الأفراد للنقد شيئاً فشيئاً.

وأظهر استبيان أجرته إنسيت إنتلجينس، أن 36% من السويدين لا يتعاملون بالنقد مطلقاً، أو يستخدموه مرة أو اثنين سنوياً.

السويد وتطور الأنظمة المالية

كانت دولة السويد في شمال أوروبا، أولى الدول التي استخدمت الأوراق النقدية خلال 1661، فكانت على شكل ورق مائي سميك يحمل ختم البنك وثمانية توقيعات مكتوبة بخط اليد، ما شكل تطور كبير في التعاملات المالية التي كانت تعتمد سابقاً على المقايضة (سلعة مقابل سلعة)، والعملات النقدية المصنوعة من الذهب أو الفضة.

واليوم تسير السويد باتجاه معاكس لإحداث ثورة جديدة في المجال المالي عبر وقف التعامل بالنقد لصالح التعاملات الرقمية القائمة على الدفع الإلكتروني وبطاقات الائتمان.

وكشفت إحصاءات البنك المركزي السويدي، أن حجم النقود المتداولة في السوق تراجع من 11 مليار يورو إلى 8 مليارات يورو خلال الخمس السنوات الأخيرة، وأن أربعة من أصل خمسة مشتريات في السويد تتم الآن إلكترونياً.

وبينت مؤسسة يورومونيتور الدولية للأبحاث، أن الكاش يمثل 3% من الاقتصاد السويدي، مقارنة بـ 7% في أميركا و10% بدول منطقة اليورو، كما أن المصارف كانت تحتوي على أكثر من ثلاثة مليارات كرونة في 2015، مقابل نحو تسعة مليارات كرونه في 2010.

وأمام هذه الوقائع يمكن القول إن دور النقود الورقية سيختفي خلال الأعوام القادمة لتصبح العملات الافتراضية في الصدارة بحلول 2030.

أخيراً، تقود السويد الاتجاه العالمي نحو مستقبل غير نقدي، ولكن يبدو أن سكانها من ذوي الخبرة في التكنولوجيا يسترشدون بسمات سويدية أخرى تقليدية أكثر وهي توخي الحذر.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة