قالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في حديث لها نشر مؤخرًا أن العملات الرقمية المشفرة، ومنها شراء بتكوين، يجب ان تؤخذ على محمل الجد، خاصة عند النظر للنشاطات المشبوهة وامكانية استعمال المجرمين لها.  فيما دعت الحكومة البريطانية يوم الخميس إلى معالجة وتنظيم ظاهرة العملات الرقمية المشفرة على مستوى العالم، مع ادراج الموضوع على جدول اعمال قمة مجموعة العشرين المزمع انعقادها في شهر آذار المقبل.

وكان فيليب هاموند وزير المالية البريطاني، والذي خرجت بلاده من الاتحاد الأوروبي، قد حذر المتعاملين في بتكوين من ضياع استثماراتهم في ظل غياب البيئة التشريعية اللازمة التي تكفل صيانة حقوقهم عند تعرضهم لعمليات الاحتيال. وجاء كلام الوزير خلال مقابلة مع تلفزيون بلومبيرغ، قال فيها “قد نحتاج إلى النظر في كيفية تنظيم هذه البيئة، حيث يمكن أن تظهر القوانين المطلوبة قريبًا”.

ويعتقد خبراء المال أن النظام المالي العالمي فضلًا عن اقتصاد الكثير من الدول، بدأ يواجه الإشكاليات المرتبطة بتقنيات سلسل الكتل او ما يسمى البلوكشين والتي تعتبر الأساس في بناء العملات الرقمية المشفرة، حيث ظهر ذلك جليًا في النقاشات التي رافقت المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية في الأيام الماضية.

تتوزع الإشكاليات ولا تنحصر في معرفة وجهات ومصادر الأموال المستثمرة في العملات الرقمية المشفرة وعلى رأسها البتكوين، حيث لا يمكن تحديد من هم المتداولون، فيما تنتشر مخاوف من مستوى امان محفظة بتكوين وقابليتها للاختراق من قبل القراصنة، كما تثار بعض الشكوك من حملات التسويق الكبيرة التي تروج طريقة للربح في بتكوين وارتباطها بعمليات الضخ والإفراغ.

هل شراء بتكوين مجزي ماليًا في هذه الفترة؟


تتمثل مخططات الضخ والافراغ في عمليات شراء ضخمة تتم على أداة مالية ذات سعر منخفض، الامر الذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في فترة قياسية قصيرة، تجذب إليها الأفراد ممن يبحث عن ربح سريع للدخول في عمليات شراء جديدة على أسعار مرتفعة لا تمثل اصلًا القيمة الحقيقية للسلعة أو الأداة المالية التي تضخمت أسعارها.

تترافق هذه الظاهرة مع حالة نفسية اجتماعية تسمى بالإنكليزية Fear of missing out وتعرف اختصارًا بـ FOMO (فومو)، تدفع المزيد من الأشخاص للمشاركة في الشراء قبل ان يقرر المشترون الأوائل بيع ما يملكون وفق الأسعار الجديدة وجنى الأرباح من أموال القادمون الجدد.

ولكن في الطرف المقابل يتحدث رواد الاعمال عن العملات الرقمية المشفرة بكونها فرصة استثمارية لا يمكن تجاهلها، خاصة أن اعتماد العالم عليها سيزداد في المستقبل ولن يستطيع أحد ايقافها. ويعتبر جون مكافى امبراطور التكنولوجيا ان التفاؤل حول مستقبل البتكوين مشروع، بل يذهب لحد توقع الأسعار المقبلة لبتكوين عند مليون دولار أمريكي حتى نهاية عام 2020.

الفكرة تدور حول لامركزية هذه العملات وهو الامر الأهم بالنسبة للمتعاملين بها، حيث قدمت لأول مرة في تاريخ البشرية أداة مالية مستقلة عن سيطرة البنوك المركزية والمؤسسات المالية الكبرى. فعمليات التداول في محفظة بتكوين تتم بسرعة وموثوقية عالية بدون الحاجة لطرف ثالث وسيط، الأمر الذي يهدد مستقبل ودور الوسطاء من شركات مالية وبنوك مركزية. كذلك عند تعدين بتكوين يعمل الشخص على استخراج العملة بتوظيف جهاز الحاسب الخاص ليكون جزء من شبكة عالمية.

التخوف الوحيد حاليًا يكمن في مستويات الحماية والأمان لمنع اختراق القراصنة الإلكترونيين لمواقع التداول، كما حدث مؤخرًا في كوريا الجنوبية واليابان ما دفع لظهور تقلبات كبيرة في العملة الافتراضية، واثار مخاوف العديد من السلطات في جميع أنحاء العالم.

لذلك وخلال القمة المالية لمجموعة دول العشرين المقررة في منتصف آذار المقبل، سيتقدم وزراء المالية في فرنسا وألمانيا بمقترحات وأوراق عمل مهمة في نطاق التشريعات والتنظيم القانوني، في الوقت الذي اتخذت كلا من كوريا الجنوبية والصين وروسيا خطوات تنظيمية مسبقًا.

تعدين بتكوين ومستقبل الاسعار

سجلت العملة الرقمية المشفرة مستويات قياسية خلال عام 2017، كان في مقدمتها عملة البتكوين التي اقتربت من مستوى 20 ألف دولار منتصف ديسمبر الماضي، وبنسبة زيادة بلغت 1400 بالمائة. هذه الحركة الصاروخية جذبت انظار الجميع وفي مقدمتهم الحكومات التي بدأت تخشى على سيطرتها المالية.

لكن حركة الصعود الكبيرة تعرضت لانتكاسة اعادت الأسعار لمستويات 8000 دولار مع بداية العام الجديد 2018، وبلغت نسبة الخسائر ما يزيد عن 60 %، ومع ذلك لم تتوقف عملية تعدين بتكوين التي تمتلك احتياطي غير مستكشف بعد يبلغ نحو أربعة ملايين قطعة.

الهبوط ترافق مع عملية اختراق وسرقة لبورصة تداول يابانية خسرت ما مجموعة 540 مليون دولار، وتشديد للرقابة في بلدان مثل كوريا والصين، في وقت سابق رفض حاكم البنك المركزي الألماني التعليق على المشروعين الأمريكي والبريطاني في المنتدى الاقتصادي العالمي 2018. عمليًا ماتزال ألمانيا متخلفة عن جارتها سويسرا التي قطعت أشواط هامة في معالجة موضوع العملات الرقمية المشفرة.

سويسرا جنة العملات الرقمية!

تدعم الحكومة السويسرية مجموعة عمل محلية تضم خبراء وقانونيين ومسؤولين حكوميين، هدفها بناء بيئة تشريعية وتنظيمية للشركات الناشئة التي تعمل بتقنية بلوكشين، تضم هذه المجموعة وزير المالية والاقتصاد ومسؤولين فدراليين إضافة لممثلين عن الشركات المعنية.

وتنظر المجموعة في المبادئ التوجيهية القانونية التي تحيط بمجال تقنية سلسلة الكتل / بلوكشين، حيث يعتقد المسؤولون هناك أن هذه التقنية أصبحت أكثر أهمية باعتبارها تكنولوجيا للعديد من الصناعات، وليس العملات الرقمية المشفرة فقط.

على ارض الواقع، كانت سويسرا منذ فترة طويلة متعاونة مع شركات البلوكشين والعملات الرقمية المشفرة، حيث يوجد هنالك مقاطعة تسمى “وادي كريبتو”، تجذب عدد كبير من شركات بلوكشين والعملات الرقمية المشفرة، يتم مقارنة هذه المنطقة بوادي السيليكون ذائع الصيت في كاليفورنيا الأمريكية.

فضلًا عن ذلك اقترح المجلس الاتحادي للحكومة خلال العام الماضي، مزيدًا من التشريعات مع اقبال البنوك السويسرية على الدخول في أسواق العملات الرقمية المشفرة التعامل بها.

يذكر أن مساحة “وادي كريبتو” تمتد إلى 30 كيلومتر بدءًا من مدينة زيوريخ وتنشط به مجموعة كبيرة من المشاريع الريادية والناشئة، في الوقت الذي كانت فيه مدينة تسوغ الواقعة وسط سويسرا أول مدينة حول العالم تقبل التعامل بالعملات الرقمية المعماة، وفي مقدمتها البتكوين ضمن المعاملات الحكومية.

 

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة