تتجه الأنظار نحو الصين كمصدر هام لتنشيط السياحة العالمية، فخلال عطلة رأس السنة الصينية يتوقع أن بتجاوز عدد السياح الصينيون في الخارج 6.5 مليون سائح بنمو يقارب الستة بالمائة مقارنة بالعام الماضي.

وسجلت وكالة السفر الصينية سي تريب، حجوزات من حوالي مائتي مدينة صينية لرحلات خارجية نحو سبعين دولة، وتعد كل من تايلاند واليابان وسنغافورة والولايات المتحدة من أهم الوجهات المستهدفة.

وذكرت سنغافورة، أن الصين ولأول مرة باتت أكبر سوق مصدر للسياح، وخلال الثلاثة أعوام المقبلة ستتصدر سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا والفلبين إضافة إلى اليابان وتايلاند والولايات المتحدة واستراليا قائمة البلدان التي سيقصدها السياح الصينيون.

وتزداد قوة طلب الصينيين على السفر إلى الخارج، مع اتساع رقعة الطبقة الغنية والمتوسطة في البلاد، وتوفير رحلات طيران منخفضة التكلفة، ما يمثل بداية لإعادة تشكيل خيارات السفر للخارج خصوصاً أن من مليار وثلاثمائة مليون نسمة بالصين 5% فقط يملكون جوازات سفر حتى الآن، فيما يتم إصدار نحو عشرة ملايين وثيقة سفر جديدة سنوياً.


وعليه، فإن أكثر من خُمس الإنفاق العالمي على السياحة الخارجية مصدره السياح الصينيون، حسبما أفادت منظمة السياحة الدولية التابعة للأمم المتحدة.

كيف ستغزو الصين العالم من بوابة السياحة؟

في العقد الماضي، كانت السياحة الداخلية في الصين تزدهر خلال احتفالات رأس السنة الصينية، لكن مع تسارع نمو ثاني اقتصاد عالمي وارتفاع دخل الفرد الصيني، وعودة العمل بمشروع طريق الحرير، أصبحت الكفة تميل نحو السياحة الخارجية.

وخلال عطلة رأس السنة الصينية هذا العام، من المتوقع أن ينفق كل مسافر 9500 يوان (1500 دولار)، ليبلغ إجمالي الإنفاق خلال أسبوع نحو عشرة مليارات دولار، بزيادة 5% من متوسط ​​المبلغ الذي أنفق في العام الماضي.

واليوم، تشهد أنحاء كثيرة في العالم موجة متزايدة من السياح الصينيين خلال عطلة رأس الصينية، لتعج بهم المطارات ومحطات القطار والفنادق والحافلات، وينشرون الصور من الأماكن التي يزورنها ليشجعوا مواطنيهم للانضمام إلى الغزو العالمي.

وهذه الوقائع تشير إلى أن السياح الصينيون سيتمكنون من تغيير قواعد السفر والسياحة، فهذا الجيل المدمن على الهواتف الذكية بات من خلال الإنترنت قادر على تخطيط مسارات رحلاته وتسجيل انطباعاته عن الأماكن التي يزورها.

والنتيجة هو ظهور صناعة سياحية حرة أو مستقلة، تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، ما يؤدي إلى فتح المزيد من الجزر والمدن والمناطق النائية أمام السياح الذين باتوا يروجون لثقافاتهم من خلال الأماكن التي يقصدونها.

وعلى صعيد آخر، تعتبر السياحة أداة للتنمية الاقتصادية وتحفيز الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي ستساعد عودة نشاط السياحة الخارجية الصينية وزيادة القدرة الشرائية للسياح الصينيين، على انتعاش اقتصاد الدول التي يقصدونها.

تأثير السياحة الخارجية الصينية على الاقتصاد العالمي

أصبح لقطاع السياحة دور كبير في التنمية الاقتصادية، وفي 2016، دعم قطاع السفر والسياحة الاقتصاد العالمي، الذي تهيمن بعض الشركات عليه، بما يقارب 8 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يخلق القطاع وظيفة من بين كل أربع وظائف جديدة في الأسواق العالمية خلال العقد القادم.

وعودة نشاط السياحة الخارجية الصينية سيشكل دافعاً لبلدان المنطقة لتحديث البنية التحتية وتطوير المطارات والفنادق والقطارات لاستيعاب وفود السياح الصينيين، وتشهد منطقة آسيا-المحيط الهادي وحدها حالياً 178 مشروعاً لمطار جديد.

وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، بدأت تركز على جذب السياح من الصين وروسيا ودول مجاورة، خصوصاً أن الصينيون والروس ساهموا في انتعاش سوق السياحة في المنطقة العام الماضي، وذلك بعد أن سجل 2016 نتائج سيئة بسبب اضطراب الوضع السياسي والأمني في عدد من دول المنطقة.

وتصدّر الصين 122 مليون سائح بالمتوسط سنوياً، ويبلغ معدل نمو الحركة السياحية الخارجية الصينية حالياً 6.7% سنوياً، ومن المرجح أن يسافر 154 مليون سائح صيني إلى الخارج هذا العام، ونحو 244 مليوناً بحلول 2022، كما سينفق السياح الصينيون حوالي 429 مليار دولار في الخارج بحلول 2021.

وتؤكد هذه الوقائع أن الصين تعيد تشكيل نفسها لتحدث تأثيراً قوياً في العالم على المستويين الاقتصادي والثقافي، وتشكل إجازة رأس السنة الصينية فرصة كبيرة ليجوب الصينيون العالم وينشرون ثقافتهم وطقوسهم الخاصة بهذه المناسبة المميزة.

رأس السنة الصينية وأهميتها الثقافية

رأس السنة الصينية أو عيد الربيع أو السنة القمرية الجديدة، أو الفانوس، هو عيد تحتفل به الصين وكذلك سنغافورة وفيتنام وتايلاند وتايوان أيضاً، مع أول شهر قمري بحسب تقويمها الخاص ويمتد الاحتفال لمدة أسبوعين، وغالياً تتراوح بداية السنة الصينية الجديدة بين نهاية يناير (كانون الثاني)، ومنتصف فبراير (شباط)، ويتم تسمية السنة بإحدى أسماء حيوانات الأبراج الصينيَّة وعلى الترتيب.

وتعتبر رأس السنة الصينية أهم وأكبر الأعياد في الصين، والاحتفال بها يتضمن إقامة الكرنفالات والمعارض الفنية، وعقد الجولات والعروض الترفيهية في كل أنحاء البلاد، حتى الجالية الصينية في الخارج تعمل على إحياء هذه المناسبة والتحضير للاحتفال بها.

ومنذ العصر القديم، اعتاد الصينيون استخدام مجسمات وأشكال حيوانات الأبراج في تصميم الزينة الخاصة برأس السنة الصينية، ومن التقاليد التي تبعها الصينيون أيضاً في هذه المناسبة، عدم أكل اللحوم في بداية السنة لاعتقادهم أن القيام بذلك سيزيد عمر الإنسان، فيما يقبلون على أكل السمك والزلابية -طبق من الشعيرية مخلوطٌ بالبيض – لاعتقادهم بأنها تجلب الحظ وتساعد على تحقيق المكاسب المادية.

وأول أيام السنة الجديدة لا يقومون بتنظيف المنزل حتى لا يتسبب ذلك بوفاة أحد من أفراد الأسرة كما يعتقدون، ويسعى كل صيني لتسديد كامل ديونه قبل رأس السنة الصينية، وعدم الاستدانة بداية العام الجديد، ظناً منه أن ذلك يجنبه الغرق في الدين طيلة أيام السنة.

ويوافق هذا العام “عام الكلب”، وامتلأت الشوارع والساحات بالزينة التي اتخذت أشكال الكلاب ومجسماتها، فضلاً عن أن الصينيون اعتادوا على تربية الكلب منذ آلاف السنين، وخبرتهم في تربيته ساعدتهم على استئناس أنواع أخرى من الماشية وتربيتها.

ومع تزايد انتشار الثقافة الصينية حول العالم، بدأت تكثر المنتجات التي تعبر عن ثقافة الصين، حيث أصدرت عدة دول أجنبية هذا العام، منها كندا وفرنسا، طوابع بريدية تذكارية لبرج الكلب.

يذكر أن الصين تعمل على استعادة مكانتها العالمية على كافة الأصعدة، وتوظف دورها الاقتصادي ومميزاتها الثقافية من أجل احتلال الصدارة خاصة في مجال الطاقة.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة