تترصد الأسواق المالية بين الحين والآخر الاخبار المرتبطة بقرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد تأجيل تنفيذ نتيجة الاستفتاء لأكثر من مرة بعد الفشل المتكرر في الوصول لاتفاق! مع ان المهلة النهائية كانت قد حددت مع نهاية تشرين الأول من هذا العام.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان يجب ان يتم في آذار الماضي، عبر تطبيق المادة 50 من معاهدة لشبونة الناظمة لعمل وعلاقة الاتحاد الأوروبي، لكن الصيغة النهائية للاتفاق قد رفضت لثلاثة مرات متتالية من قبل مجلس النواب في بريطانيا.

ومع حلول التاريخ النهائي، يجب على بريطانيا ان تخرج من الاتحاد الأوروبي في تمام الساعة الحادية عشر ليًلا من يوم تشرين الأول 2019، لكن في حال تم التوصل لاتفاق محدد قبل ذاك التاريخ، سيكون الخروج في اليوم الأول من الشهر التالي لحدوث الاتفاق.

بينما يؤدي الفشل في التوصل لاتفاق بين الطرفين، لقطع فوري للعلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي وهو الشيء الذي تخافه بريطانيا بسبب الاضطرابات المتوقع حدوثها في الشركات على المدى القصير الأجل، لأنه لن يكون هنالك ضمانات للمواطنين البريطانيين او حقوق للإقامة في باقي دول الاتحاد.

يظهر الأثر الكبير لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الأسواق المالية، والتي تضم متداولين يحاولون المضاربة على أسعار الأصول والأدوات المالية لتحقيق الأرباح، وعادة ما تشكل حالة عدم اليقين والضبابية في شلل الأسواق، ومراهنة جزء كبير من التجار على سلبية مستقبل الأداة المالية وفي هذه الحالة يكون كلا من الجنيه الإسترليني واليورو والأسهم البريطانية في دائرة الخطر.

ما هو مستقبل الجنيه الإسترليني بعد قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

سادت حالة من التراجع في أسعار الصرف للجنيه الإسترليني بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء الذي جرى في 23 من حزيران عام 2016، حيث تابع السوق تراجعه الحاد يومًا بعد يوم، لتصل قيمة الخسائر إلى ما يتجاوز 17 بالمائة من قيمته. ثم جاءت أسعار الفائدة المنخفضة لتزيد الضغط على الباوند، فبدأ بتسجيل خسائر مقابل الدولار الأمريكي والدولار الأسترالي، قدرت تلك الخسائر بحوالي 22 بالمائة من قيمة العملة.

كل من يحاول بيع الجنيه الإسترليني اليوم، يحصل على كمية اقل من العملات المقابلة، وهي خسارة لا يمكن تحملها بالنسبة للبعض ما يزيد من احتفاظ المتداولين بهذه العملة، لكن في الوقت نفسه يعتقد جزء لا بأس به من المشاركين في التداولات يرون ان القيمة الحالية مغرية للشراء، إلا أن ما يوقفهم هو سلوك الجنيه الإسترليني كعملة في الأسواق المالية.

يتميز سلوك الباوند بالتأثر الكبير بالصدمات، لذا نجد انه يتراجع بشكل كبير عند حدوثها، ثم يبقى لفترة طويلة بالقرب من أدنى الأسعار التي وصلها، قبل أن يتحرك من جديد في رحلة الهبوط التي تجعله يكرر نفس السيناريو بالضبط!

وفي هذه الفترة، تشكل مراكز البيع على المكشوف التي تثقل كاهل الجنيه بيضة القبان، حيث يستمر الكثيرون في المحافظة على مراكز البيع مفتوحة وينضم لهم أخرون مع كل عملية تصحيح وارتفاع مؤقت، ما يستوجب الهبوط من جديد، وهذا يعني ان الأسعار ستحافظ على تراجعاتها لفترة ليست بالقصيرة.

بداية استعادة العافية بالنسبة للأسعار ستكون عندما يقرر الغالبية من المتداولين أن عمليات البيع يجب ان تنتهي، وان الأسعار التي وصلت إليها الأسواق كافية، حينها سيضطر أصحاب مراكز البيع لإغلاق صفقاتهم وبالتالي شراء الجنيه الإسترليني، ما يتسبب في بناء طلب على العملة، يدفعها للارتفاع.

أسعار الأسهم مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

تملك أسواق الأسهم واقعًا مختلفًا نوعًا ما، حيث خسر مؤشر فوتسي 100 نسبة كبيرة من قيمته تمثلت بحوالي 11 بالمائة، أما الشركات التي تمتلك رأس مال كبير واعمال متسعة، فقد سجلت أسهمها خسارات بلغت 30 بالمائة. حتى ان الأمور قد تسيء أكثر، إذا ما فشلت الأطراف في الوصول إلى صفقة، أو تراجعت بريطانيا عن الخروج من الاتحاد الأوروبي، خاصة أن محكمة العدل الأوروبية قد قدمت قرار يجيز للمملكة عدم الالتزام بنتائج وقرار الاستفتاء.

وعلى اعتبار أن الأسواق تكره حالة عدم اليقين، ومختلف السيناريوهات مازالت قائمة في عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومنها الخيار الأسوأ، وهو الخروج بدون صفقة، ما قد يستدعي انهيار للأسواق مشابه للازمة المالية لعام 2008، سيكون خيار بيع الأسهم في فوتسي 100 اليوم مباشرة هو الخيار الأفضل نظريًا!

إلا أن هنالك ما يدفعنا لعدم فعل ذلك، فمن الناحية النظرية لا يوجد مشكلة أو ازمة عالمية وبالتالي لا يوجد تهديد جوهري، وكل ما على المستثمر فعله هو الاختيار الأمثل للشركات التي يجب ان يبقى فيها.

فالشركات المتضررة من الخروج محصورة بتلك التي تدير عمليات تجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي فقط، أما الشركات العالمية مثل رويال داتش شل (Royal Dutch Shell) وبريتش أمريكان توباكو (British American Tobacco) أو دياجو (Diageo) فهي بعيدة عن التأثر لان الاقتصاد العالمي مازال سليم.

تلك هي الاستراتيجية الحقيقة التي اتبعها الملياردير الأمريكي وارن بافيت، الذي كسب الكثير من الأموال في تداول الأسهم الأمريكية في أعقاب أزمة عام 2008، فهو يلخص الأمر بالقول “القاعدة التي يجب عليك ان تعمل بها هي التالية: كن خائفًا عندما يكون الجميع جشعًا، وكن جشعًا عندما يكون الآخرون خائفين”.

يذكر أن مصطلح بريكسيت (Brexit) يستخدم بشكل مختصر لوصف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويتألف باللغة الإنكليزية من جزئيين الأول هو كلمة بريطانيا (britain) والثاني كلمة خروج (Exit).

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة