شهدت أسعار الذهب تقلباً نسبياً خلال الأسبوع الماضي، إذ سجل تراجعاً طفيفاً بسبب ارتفاع الدولار الأمريكي مقابل سلة العملات العالمية، كرد فعل على البيانات القوية حول سوق العمل في الولايات المتحدة.

وتراجع سعر الذهب إلى 1211 دولار للأوقية قبل أن يرتد مرة أخرى مسجلاً 1230 دولاراً للأوقية، فيما استقرت عقود الذهب الأميركية الآجلة عند 1233.2 دولار للأوقية، وعليه أنهى المعدن الأصفر تعاملات الأسبوع على نحو مستوِ.

وسجلت أسعار الذهب أول خسارة أسبوعية خلال الخمسة الأسابيع الأخيرة، ليتراجع سعره بشكل طفيف “0.2%”، وذلك نتيجة تباطؤ الطلب على الذهب كملاذ استثماري آمن مع عودة الانتعاش لمعظم أسواق الأسهم العالمية، بالإضافة إلى صعود الدولار.

واستقرت تداولات مؤشر الدولار الأمريكي قرب مستوى 96.50، وتسود نظرة إيجابية حول تداولات العملة الأمريكية بفعل النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات الأجور مسجلة أعلى وتيرة نمو سنوية منذ ثمانية أعوام.

وهبطت اليورو 0.1% بالمئة إلى 1.1378 دولار، فيما قلص الجنيه الاسترليني بعضاً من مكاسبه السابقة في ظل عدم وضوح تطورات عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكسيت”.

ما سبب استقرار أسعار الذهب وأين ستتجه؟

يأتي الاستقرار النسبي لسعر الذهب مع تبني السوق نهج الانتظار والترقب لنتائج الانتخابات النصفية الأمريكية في الكونغرس، ما يؤثر على حركة أسعار الذهب والعملات وعدة فئات أصول

واستناداً لبيانات استطلاعات الرأي الأخيرة حول الانتخابات النصفية الأمريكية، هناك تخوف من خسارة الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري مقاعد الأغلبية في مجلس النواب بالكونغرس لصالح الحزب الديمقراطي، مقابل احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على مجلس الشيوخ، الأمر الذي قد يولد أزمة سياسية بواشنطن، وتراجع أسواق الأسهم وانخفاض الدولار الأمريكي، وبالتالي اتجاه أسعار الذهب إلى الصعود.

قرارات الفيدرالي حول أسعار الفائدة

ومن جهة أخرى، اعتدال أسعار الذهب يأتي مع توقعات بعدم توجه الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه المرتقب إلى رفع أسعار الفائدة، واستمرار النظرة الإيجابية والمتفائلة حول أداء الاقتصاد الأمريكي.

ويأتي الاجتماع المرتقب للفيدرالي، في ظل ارتفاع معدل نمو الوظائف في الولايات المتحدة ونمو الأجور بأسرع وتيرة خلال أكثر من تسعة أعوام.

ويتجه البنك الاحتياطي الفيدرالي للمضي قدماً في خطط مواصلة زيادة أسعار الفائدة بشكل تدريجي، وغالباً ما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات الأمريكية إلى تراجع أسعار الذهب.

انفراج الأزمة التركية الأمريكية

والاستقرار النسبي في أسعار الذهب، يعتبر انعكاس لانفراج الأزمة التركية الأمريكية مع إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون المحتجز في تركيا منذ عامين بتهمة إقامة علاقات مع حزب العمال الكردستاني المصنف لدى أنقرة على أنه “تنظيماً إرهابيا”، وكذلك تنظيم فتح الله غولن، المتهم في تركيا بتدبير محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016.

وتسبب اعتقال برونسون في توتر العلاقات التركية الأمريكية، ما دفع كل طرف منهما إلى فرض رسوم على الآخر، حيث أمر ترامب برفع رسوم استيراد الصلب والألومنيوم من تركيا، بنسبة 50 و20% على التوالي، ما دفع بالليرة التركية إلى الانهيار وفقدان 23% من قيمتها أمام الدولار، وعليه ردت أنقرة بفرض رسوم إضافية على 22 منتج أمريكي بقيمة 300 مليون دولار.

ترامب يقيل موظفو البيت الأبيض

العقوبات الأمريكية على إيران

في الوقت الذي تم فيه حل الأزمة التركية الأمريكية، لا تزال مشكلة العقوبات الأمريكية على إيران قائمة ما يؤثر على مستقبل أسعار الذهب.

وأعادت واشنطن يوم الاثنين 5 نوفمبر (تشرين الثاني) فرض العقوبات على طهران مجدداً، بعد أن رفعتها بموجب اتفاق 2015 حول البرنامج النووي الإيراني، الذي انسحب منه الرئيس دونالد ترامب في مايو (أيار) الماضي.

وعند جديد، تم فرض عقوبات أميركية قاسية على الكثير من قطاعات الطاقة والشحن في إيران بعد انتهاء فترة السماح (ستة أشهر) التي منحها ترامب لطهران بعد انسحابه من الاتفاق النووي.

وفي سياق متصل، كشف وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أن الولايات المتحدة أعفت ثمانية دول مؤقتاً من العقوبات النفطية المفروضة على إيران، وهي الصين والهند واليونان وإيطاليا وتايوان واليابان وتركيا وكوريا الجنوبية.

وبموجب هذا الإعفاء ستتمكن الدول الثمانية من الاستمرار في شراء الخام من إيران لمدة 6 أشهر فقط، وذلك بعد سريان العقوبات الأمريكية على إيران.

وعملت أكثر من 20 دولة على خفض واردتها من النفط الإيراني، ما أدى لتراجع مبيعات طهران إلى ما يفوق مليون برميل يومياً.

 عوامل تؤثر على أسعار الذهب

ليس فقط الأحداث السياسية والاقتصادية من يؤثر على أسعار الذهب، فمن المعروف أن هناك علاقة قوية تربط المعدن الأصفر بالأخضر الأمريكي، فضعف الأخير يؤثر إيجاباً على أسعار الذهب ويزيد من جاذبيتها الاستثمارية.

الذهب ملاذ استثماري

كما أن للنفط تأثير على أسعار الذهب، حيث يتم اللجوء للذهب بوصفه ملاذ استثماري آمن نتيجة التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الخام.

ومع انهيار البنوك وضعف السياسات النقدية وعدم استقرار النظام النقدي، تميل أسعار الذهب للارتفاع بسبب الشعبية التي يكتسبها هذا المعدن كاستثمار قليل المخاطر ووسيلة لحماية الثروة.

وترتبط الأسعار أيضاً، بسياسية التيسير الكمي المتبعة من قبل البنوك المركزية والقائمة على زيادة المعروض التقدي عبر شراء مزيد من الأوراق المالية، إضافة إلى أن احتياطي الذهب في البنوك يلعب دوراً في تحديد سعر المعدن الأصفر.

تشكل المجوهرات أكثر من نصف الطلب على الذهب

وإلى جانب استخدامه كصندوق للتحوط وملاذ استثماري آمن، تشكل المجوهرات أكثر من نصف الطلب على الذهب، وبعض المناطق في الهند تنظر للذهب كمصدر ثروة ونوع من أنواع العملة، وبالتالي الطلب العالي على هذه السلعة يدفع الأسعار للصعود، فيما يشكل الذهب في الصين رمز للثراء، ومع ازدهار اقتصاد بكين تزداد نسبة الشراء وتنشط تجارة الذهب ما ينعكس إيجاباً على الأسعار.

وبالنسبة للعملات، فأسعارها تتأثر بالعرض والطلب ومعدل أسعار الفائدة، والتضخم وثقة المستثمرين، فإذا ارتفع فائض نسبة الفائدة مقابل التضخم في دولة ما، ستزداد جاذبية الاستثمار وبالتالي سيرتفع الطلب على عملتها المحلية والعكس صحيح.

تداول الذهب

ثقة المستثمرين

وإذا كانت دولة ما تحظى بثقة كبيرة لدى المستثمرين، فسيزداد شرائهم للأصول في تلك الدولة ما يدعم من قوتها عملتها في السوق.

ويمكن للدول أن تلعب دور أحياناً في التأثير على قيمة عملاتها من خلال إغراق السوق بعملتها المحلية أو الشراء لرفع السعر.

وبالعودة إلى الذهب، فالتركيز في المرحلة القادمة سيكون منصباً على مستوى الدولار الأمريكي، وشهية المستثمرين ومدى إقبالهم على المخاطرة من عدمه.

الاتجاه المستقبلي

بالمحصلة يمكن للمستثمرين متابعة تحركات مؤشر أسعار الدولار الأمريكي وعائدات سندات الخزانة الأمريكية، لمعرفة الاتجاه المستقبلي لسعر الذهب، والكشف عن محاولات المشترين للتدخل وإعادة المعدن الأصفر إلى منطقة الملاذ الآمن.

فتراجع العائدات على السندات الأمريكية سيقلل من جاذبية الاستثمار في الدولار الأمريكي، وعليه سيرتفع الطلب الأجنبي على الذهب المقوّم بالدولار، ما سيعيد الأسعار إلى مسارها الصعودي من جديد.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة