سجلت أسعار الذهب تراجعاً خلال الأسبوع الماضي، متخلية عن مكاسبها بعد أن اقتربت من أدنى مستوياتها أمام قوة وارتفاع سعر الدولار الأمريكي في سوق العملات الرئيسية.

وللأسبوع الخامس على التوالي، تنخفض أسعار الذهب، مسجلة تراجعاً في المعاملات الفورية بنسبة 0.5% خلال جلسة يوم الجمعة، بينما صعد مؤشر سعر الدولار بما يفوق 0.9%.

وبعد أن بلغ المعدن النفيس ذروته في أبريل (نيسان) الماضي، هوى بنسبة أحد عشر بالمائة الأسبوع الماضي، مقابل بلوغ الدولار أعلى مستوياته خلال ثلاثة عشر شهراً، وتخلي المستثمرين عن مراكز الذهب والبدء المضاربة على هبوط أسعاره.

وصعد مؤشر الدولار (نحو 0.6%) إلى أعلى مستوى له منذ يوليو (حزيران) من العام الماضي، مقابل تراجع اليورو والجنيه الاسترليني، وانهيار الليرة التركية أمام العملة الأمريكية.

وعليه، لم يعد ينظر المتداولون للذهب على أنه ملاذ استثماري آمن، ولجأوا إلى الدولار الأمريكي الذي يستمد قوته الاحتياطى الفيدرالى الداعم لخطوات رفع أسعار الفائدة والتي يعارضها الرئيس دونالد ترامب، فيما يحذر الفدرالي بالمقابل من الحرب التجارية التي تخوضها الولايات المتحدة بقيادة ترامب.

ومكانة الذهب الضعيفة في ظل التوتر السياسي والحرب التجارية الدائرة، جعلته أكثر عرضة للتأثير من عائدات سندات الخزينة في الولايات المتحدة، ومن تحركات اسعار الدولار.

ما أسباب تراجع أسعار الذهب؟

عادة ما تتجه أسعار الذهب إلى الصعود عندما تقل ثقة الأفراد في أسواق المال والسياسات الاقتصادية للحكومات، لذا يطلق عليه سلعة الأزمات ومصدر آمن في ظل الاضطرابات الاقتصادية أو السياسية.

لكن أسعار الذهب فشلت في الاستفادة من التوتر الجيوسياسي والتطورات التي تشهدها المنطقة والعالم، وأهمها الأزمة التركية الأمريكية النجمة عن قضية القس الأميركي أندرو برانسون المحتجز في تركيا، والذي تم وضعه تحت الإقامة الجبرية بعد اعتقاله عام ونصف بتهم إرهاب.

وفشل المفاوضات لحل النزاع بين البلدين، وأوامر ترامب برفع رسوم استيراد الصلب والألومنيوم من تركيا، بنسبة 50 و20% على التوالي، دفع بالليرة التركية إلى الانهيار وفقدان 23% من قيمتها أمام الدولار.

وتأثُر الأسواق الأخرى بالأزمة التركية الأمريكية، طرح تساؤل عن الذهب بوصفه ملاذ استثماري آمن في الأوقات الاقتصادية الصعبة.

وفي سياق متصل، تفاقمت التوترات التجارية مجدداً مع فرض الولايات المتحدة ضرائب جمركية جديدة على المنتجات الصينية، وتلويح بكين بالرد المناسب لحماية حقوقها.

ومطلع مارس (آذار) الماضي، أمر ترامب بفرض تعريفات جمركية جديدة على واردات الصلب 25% ثم ورادات الألمنيوم 10% لحماية المنتجات المحلية الأمريكية.

العقوبات الأمريكية على إيران وروسيا

أثر تجديد العقوبات الأمريكية على إيران بسبب برنامجها النووي بشكل سلبي على أسعار الذهب، إذ تحظر العقوبات الأمريكية الجديدة تبادل الدولار مع حكومة طهران، والتعامل بالمعادن النفيسة، ولاسيما الذهب، والتضييق على المؤسسات التي تتعامل بالريال الإيراني أو سندات حكومية إيرانية.

ودخلت روسيا أيضاً ضمن دائرة العقوبات الأمريكية، على خلفية قضية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال بغاز نوفيتشوك للأعصاب، ما أدنى لانحدار الروبل الروسي إلى أقل مستوى له أمام الدولار الأمريكي في أكثر من عامين.

كما عادت المخاوف الجيوسياسية العالمية تجاه كوريا الشمالية إلى الواجهة من جديد، مع تحذير بيونغ يانغ لواشنطن من أن توسيع العقوبات المحتمل ضدها سيؤثر على عملية نزع السلاح النووي.

واستطاعت هذه الأحداث إبعاد الذهب عن خيارات المستثمرين، ورغم محاولات اسعار الذهب الارتداد لأعلى، إلا أنها لم تتخطى 1217 دولار للأوقية، مقابل استمرار قوة الدولار أمام سلة العملات الرئيسية ومنها الجنيه الإسترليني الذي بلغ أدنى مستوى له في عام في ظل التوقعات بمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي دون تحديد العلاقة المستقبلية بينها وبين بروكسل.

 عوامل تؤثر على أسعار الذهب

ليس فقط الأحداث السياسية والاقتصادية من يؤثر على أسعار الذهب، فمن المعروف أن هناك علاقة قوية تربط المعدن الأصفر بالأخضر الأمريكي، فضعف الأخير يؤثر إيجاباً على أسعار الذهب ويزيد من جاذبيتها الاستثمارية.

ملاذ استثماري

كما أن للنفط تأثير على أسعار الذهب، حيث يتم اللجوء للذهب بوصفه ملاذ استثماري آمن نتيجة التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الخام.

ومع انهيار البنوك وضعف السياسات النقدية وعدم استقرار النظام النقدي، تميل أسعار الذهب للارتفاع بسبب الشعبية التي يكتسبها هذا المعدن كاستثمار قليل المخاطر ووسيلة لحماية الثروة.

وترتبط الأسعار أيضاً، بسياسية التيسير الكمي المتبعة من قبل البنوك المركزية والقائمة على زيادة المعروض التقدي عبر شراء مزيد من الأوراق المالية، إضافة إلى أن احتياطي الذهب في البنوك يلعب دوراً في تحديد سعر المعدن الأصفر.

تشكل المجوهرات أكثر من نصف الطلب على الذهب

وإلى جانب استخدامه كصندوق للتحوط وملاذ استثماري آمن، تشكل المجوهرات أكثر من نصف الطلب على الذهب، وبعض المناطق في الهند تنظر للذهب كمصدر ثروة ونوع من أنواع العملة، وبالتالي الطلب العالي على هذه السلعة يدفع الأسعار للصعود، فيما يشكل الذهب في الصين رمز للثراء، ومع ازدهار اقتصاد بكين تزداد نسبة الشراء وتنشط تجارة الذهب ما ينعكس إيجاباً على الأسعار.

وبالنسبة للعملات، فأسعارها تتأثر بالعرض والطلب ومعدل أسعار الفائدة، والتضخم وثقة المستثمرين، فإذا ارتفع فائض نسبة الفائدة مقابل التضخم في دولة ما، ستزداد جاذبية الاستثمار وبالتالي سيرتفع الطلب على عملتها المحلية والعكس صحيح.

ثقة المستثمرين

وإذا كانت دولة ما تحظى بثقة كبيرة لدى المستثمرين، فسيزداد شرائهم للأصول في تلك الدولة ما يدعم من قوتها عملتها في السوق.

ويمكن للدول أن تلعب دور أحياناً في التأثير على قيمة عملاتها من خلال إغراق السوق بعملتها المحلية أو الشراء لرفع السعر.

وبالعودة إلى الذهب، فالتركيز في المرحلة القادمة سيكون منصباً على مستوى الدولار الأمريكي، وشهية المستثمرين ومدى إقبالهم على المخاطرة من عدمه.

الاتجاه المستقبلي

بالمحصلة يمكن للمستثمرين متابعة تحركات مؤشر أسعار الدولار الأمريكي وعائدات سندات الخزانة الأمريكية، لمعرفة الاتجاه المستقبلي لسعر الذهب، والكشف عن محاولات المشترين للتدخل وإعادة المعدن الأصفر إلى منطقة الملاذ الآمن.

فتراجع العائدات على السندات الأمريكية سيقلل من جاذبية الاستثمار في الدولار الأمريكي، وعليه سيرتفع الطلب الأجنبي على الذهب المقوّم بالدولار، ما سيعيد الأسعار إلى مسارها الصعودي من جديد.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة