شهدت شركة آبل مؤخراً انخفاضاً في حجم قيمتها تجاوز 300 مليار دولار، جعلها تتراجع إلى المركز الثالث من بين شركات الهواتف الذكية على مستوى العالم، ولعل السبب في هذا الانخفاض يعود إلى تباطؤ مبيعات هواتفها من نوع آيفون، وهو النوع الأكثر أهميةً وتأثيراً في دخلها حيث يسهم بقيمة 60% منه. إلا أن اتباع الشركة لسياسة التسعير المرتفعة وعدم اهتمامها بتقديم المزيد من الابتكارات المتعلقة بهذا النوع من الهواتف جعلها تخسر الكثير من الأسواق وخاصة السوق الصينية.

كما يلاحظ أن الشركة قد اتجهت مؤخراً نحو التشتت والتركيز على أكثر من منتج في آن واحد، وهو الأمر الذي ترفضه سياسة آبل منذ تأسيسها على يد ستيف جوبز.

وبالإضافة إلى ما تعانيه الشركة من انخفاض في المبيعات فإنها أيضاً تشهد منافسة شرسة من قبل شركات ضخمة مثل جوجل ومايكروسوفت وسامسونغ وأمازون، وهو ما يحدو بالشركة إلى ضرورة اتخاذ تدابير مستعجلة في هذا العام تخرجها من مأزقها وتعيدها إلى ما كانت عليه عام 2018 الماضي كأغلى شركة تقنية في العالم وبقيمة بلغت 1ترليون دولار، ولكن هل هذه الاجراءات تكون بالعودة إلى سياستها المحافظة أم بتغيير هذه السياسة وانتقالها إلى التنوع والتجزئة

ما هي السياسة التي تعمل وفقها شركة آبل ؟

من المعروف أن شركة آبل تعمل في المجمل منذ تأسيسها وفق مبدأ التركيز على منتج واحد وعدم التشتت مابين عدة منتجات أو أفكار وذلك من مبدأ تقليل الخيارات أمام الزبون قدر الإمكان، وهذا ما جعل الشركة مثالاً يُحتذى في البساطة وهو ما أشار إليه “كين سيغال” في كتاب “البساطة لحد الجنون” والذي استشهد فيه بحوارات داخلية أجراها ستيف جوبز مع موظفيه أثناء تطوير الكثير من المنتجات، حيث نظر إلى الحواسب التي وفّرتها الشركة آنذاك، والتي كانت تسعى لإرضاء الكثير من العملاء في آن واحد، إلا أنها في الوقت نفسه تُشتّت الزبون وتتركه في حيرة من أمره، مما جعل جوبز يلغيه فوراً ويقلل الخيارات قدر الإمكان.
واستمرت آبل في اتباع الأسلوب نفسه في الهواتف الذكية والحواسب اللوحية وأجهزة “آيبود”، إلا أن الرئيس الحالي للشركة “تيم كوك” يتجه في رأيه إلى التجزئة وهو ما يتعارض مع هوية الشركة وسياستها المتجهة نحو البساطة، حيث أصبحت منتجاتها مليئة بالتجزئة وجعل الشركة تدخل في عالم الأجهزة الاستهلاكية.

تعاني آبل من انخفاض في المبيعات

هواتف آبل

تبيع آبل اليوم أكثر من أربعة خيارات متقاربة بالسعر والمواصفات من الهواتف الذكية ومنها “آيفون إكس” (iPhone X) المنتج عام 2017، و” إكس إس” (X s)، و”إكس إس ماكس”(X s Max) الصادرين في 2018، بالإضافة إلى نوع “إكس آر”  (X r) والأنواع الأخرى من آيفون 7و8 المتوفرين للشراء وهو ما يعد تشتتاً أمام الزبون.

شركة آبل تمر بمرحلة انخفاض في قيمتها

ولأن شركة آبل تمر بمرحلة انخفاض في قيمتها فإن ذلك يستلزم منها اتخاذ بعض التدابير والإجراءات ومنها حاجتها إلى توفير خيارين من الأجهزة لا ثالث لهما أحدهما بمواصفات رائدة والثاني متوسط لضمان أفضل أداء ممكن لنظام “آي أو إس” (iOS).

وذلك لأن سياسة الشركة القائمة على السماح للزبائن بتجربة الجهاز أملاً برفع احتمالية شرائه لن تنفع، وخاصة مع مجموعة متنوعة من هواتف آيفون لأن الزبون سينخفض تركيزه حتماً أمام خيارات متنوعة من الأجهزة والمواصفات وبالتالي سيصبح عاجزاً عن اتخاذ القرار المناسب و ستكون النتيجة العزوف عن الشراء وإرجاء الأمر لأجل غير معلوم.

ما الذي تخبؤه آبل

لشركة آبل تاريخ طويل في وضع معايير سوق التقنية والمساهمة في رسم معالمه، إلا أن السنوات الأخيرة لم تكن كذلك بالنسبة لها بل أخذت فيها آبل دور المشاهد لما يحدث فقط، ولم تُعرف الأسباب في ذلك هل هي بسبب إعجاب الشركة لنموذجها المنتج حالياً، أم أنها تعمل على مشاريع ثورية لم يأتِ وقتها بعد، خاصة وأن الشركة تعمل عادةً بصمت ولا تعلن عن مشاريعها حرصاً على تحقيق عنصر المفاجأة،  إلا أن ذلك لا يلغي ضرورة إصلاح الشركة لبعض الأخطاء لكي تعود إلى مكانتها العالية في السوق العالمية.

هواتف آيفون ورقة رابحة لآبل

إن تركيز آبل على بيع أجهزة آيفون ذات الأهمية الكبيرة في اقتصادها يكاد يكون الحل الأمثل لخروجها من الضائقة الأخيرة، فهي حتى لو كانت الشركة تتجه مؤخراً إلى قطاع الخدمات  إلا أن هذا القطاع بالطبع يحتاج إلى وقتٍ طويل كي تنتج ثماره لذا كان تأمين الشركة لنفسها عن طريق رفع مبيعات آيفون من جديد هو أفضل وسيلة للشركة، وهو ما أعلنت عن التخطيط له بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” التي أفادت بأن آبل2019 تنوي طرح ثلاثة أنواع من آيفون مزودة بميزات جديدة للكاميرا كالخلفية للطراز الأغلى منها وكاميرتان خلفيتان للطرازين الآخرين، ولم تعلن الشركة عن أي نيات أخرى بهذا الخصوص.

آبل بلا نيات معلنة

نلحظ خلال هذا العام أن آبل هي الشركة الوحيدة التي لم تفصح عن أي نية لعملها القادم، في حين أن الشركات الكبرى المنافسة لها قد أعلنت عن تطويرها للعديد من الميزات منها ما أعلنت عنه جوجل مؤخراً وهو تطوير نظام “فوشيا” (Fuchsia OS) من أجل العمل على مجموعة مختلفة من الأجهزة دون الحاجة إلى تغيير أي شيء متعلق بالشيفرة البرمجية وعلى مجموعة مختلفة من الأجهزة تبدأ من الهواتف الذكية والحواسب اللوحية وتصل إلى الحواسب العادية.
وستكونن واجهات “فوشيا” مرنة بحيث أنها تأخذ حجم الشاشة أيا كانت دون الحاجة إلى تخصيص هذا الشيء بشكل يدوي مثلما هو الحال حاليا في نظام أندرويد. أما مايكروسوفت فهي الأخرى قد أعلنت عن مشروعها “آندروميدا” (Microsoft Andromeda)  وهو تطوير جهاز قابل للطيّ، ونسخة من نظام ويندوز 10 مرنة قادرة على العمل مهما كان حجم الشاشة من غير أن يتأثر الأداء.كما هو حال نظام فوشيا.

آبل ما بين الجودة والفشل

اعتمدت آبل عام 2018 على الزجاج في إنتاج هواتف ذكية رائدة، إلا أن ذلك لم يلغِ مواجهة مستخدميها لمجموعة من المشاكل على صعيد الجودة والمزايا، ومنها فشل البطارية لدى بعض المستخدمين وكذلك الشاشة، وهو ما يعد أمراً مستهجناً بسبب سعر الجهاز وتصميمه الثابت منذ 2014 وهو آيفون 6.

لذلك فإن كان على  آبل 2019 أن تسرع في تقديم عامل الصدمة والمفاجئة، والابتعاد عن الرصانة، وألّا تبقى متمسكة بشعار عدم تقديم الميزة الجديدة حتى جهوزيتها بشكل كامل لأنها فشلت في ذلك حيث لم تقدم منتجاً شبه كامل، كما أن الشركة بحاجة للخروج من منطقة الراحة الخاصة ومراعاة الظرف المحرج التي تمر به في الوقت الحالي.

يذكر أن شركة آبل هي شركة أمريكية عابرة للقارات تأسست عام 1976 وتعمل على تصميم وتصنيع الالكترونيات الاستهلاكية ومنتجات برامج الحاسوب.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة