تكثر الاجتماعات الإقليمية والدولية التي تتناول الواقع السوري وتسعى للوصول إلى حل يرضي الأطراف المتنازعة في البلاد، وتأتي قمة أنقرة الثلاثية حول سوريا التي عقدتها كل من تركيا وروسيا وإيران بعد تطورات ميدانية وفشل مفاوضات ومباحثات سابقة في إنهاء الصراع المتأزم في سوريا.

وسابقاً، توصلت مفاوضات أستانا التي جمعت الأطراف الثلاث المؤثرة في الملف السوري، لاتفاق حول مناطق خفض التصعيد في سوريا، تشمل إدلب وأجزاء من حلب واللاذقية وحمص والغوطة في ريف دمشق، لكن فعلياً لم تشهد تلك المناطق وقفاً لإطلاق النار بل كانت خدعة روسية.

وخرجت قمة سوتشي المنعقدة نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي بتشكيل لجنة لصياغة الدستور مؤلفة من 150 عضواً اختارت تركيا 50 عضو من تيارات الثورة السورية والمنتمين لصفوف المعارضة، فيما اختارت بالتساوي روسيا وإيران باقي الأعضاء من الشخصيات الموالية للنظام السوري.

ومع فرض تركيا سيطرتها على عفرين، وإجلاء الغوطة الشرقية من الفصائل المعارضة والسكان الأصليين وترحيلهم إلى مناطق سيطرة تركية، أعلنت إيران خلال قمة أنقرة رسمياً انتهاء “الحرب على الإرهاب في سوريا”، فيما أكدت روسيا على التعاون لتسوية الأوضاع في سوريا وإحلال السلام، ومن جانبها تعهدت تركيا باستمرار التزامها حول مناطق خفض التوتر.


وعليه تثار شكوك وتساؤلات عن الهدف من هذه القمة وسابقاتها، خصوصاً بعد 7 سنوات على اندلاع الثورة السورية التي واجهتها قوات النظام السوري بيد من حديد، فتحولت سوريا إلى ساحة نزاعات مسلحة خلفت آلاف الضحايا وشردت الملايين وفتحت الباب أمام تدخلات خارجية وأرض خصبة لأطماع أجنبية.

هل قمة أنقرة الثلاثية حول سوريا مخيبة الآمال؟

تعتزم كل من تركيا وروسيا وإيران تكثيف مساعيها لضمان عودة الاستقرار إلى سوريا وحماية المدنيين بمناطق الحد من التصعيد، وحسب مراقبون فإن التعاون المشترك بين هذه الدول لم يستطيع أن يحرز تقدماً نحو الاستقرار والسلام في سوريا، لكنه يشير إلى الدور المحوري والفاعل لتلك الدول في الملف السوري.

ومع بداية العام الجاري، دخلت سورية مرحلة تحالفات وصراعات جديدة تقودها روسيا، الداعم الأكبر لقوات النظام السوري، وباتت تتحكم بكل القرارات المصيرية حيث أعطت الضوء الأخضر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق عملية غصن الزيتون بهدف السيطرة على منطقة عفرين الكردية وطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني الإرهابي.

بالمقابل، ظهرت شائعات تتحدث عن إيقاف تركيا دعمها للفصائل السورية المعارضة بريف دمشق، ما دفع قوات النظام السوري لإجلاء الفوطة الشرقية، ونقل المقاتلين خارج المدينة.

بدوره، اعتبر وزير دولة في الخارجية الألمانية أن روسيا وإيران وتركيا دول متورطة عسكرياً في سوريا، واصفاً اجتماع قادة الدول الثلاث بـ “قمة حرب” مخيبة للآمال، ولا تساهم في التوصل إلى حلول سياسية.

وعليه، فإن جهود حل الصراع في سورية غير مجدية بسبب عدم وضوح مصير الرئيس السوري بشار الأسد واحتمالية بقاءه في السلطة من عدمه، فضلاً عن تضارب مصالح إيران وروسيا في سوريا.

خلافات على تقسيم كعكة سوريا

في الوقت الذي تشن فيه تركيا عمليات عسكرية في عفرين، كان الطيران الروسي وفصائل مسلحة إيرانية  طائفية يدعمان الجيش السوري في قصف إدلب والغوطة الشرقية، واعتبر الرئيس الإيراني حسن روحاني أن تطورات عفرين ربما تضر بجهود “توحيد” الأراضي السورية لذا يجب إعادة تحكم النظام السوري والجيش بالمنطقة.

وتستهدف قوات النظام السوري في خطتها المستقبلية مدينة إدلب، وتعتبر أنقرة أن مثل هذه الخطوة ستضر بمصالحها إذ ستصبح تركيا الملاذ الأخير لكثير من السوريين بعد دخول قوات النظام السوري.

وتشير الأرقام الرسمية للنظام السوري، أن إدلب تحوي قرابة 3.5 مليون سوري، ويرجح الخبراء أن تكون درعا الوجهة الأولى التي سيستهدفها قوات النظام ومن ثم إدلب، فالأسد مُصرّ على استعادة السيطرة الكاملة على كافة الأراضي السورية.

من ناحية أخرى، فإن روسيا التي تعزز تواجدها العسكري في سوريا والمنطقة، تتجه أنظارها اليوم نحو معرة النعمان وجسر الشغور، فضلاً عن حصتها الجزئية في تل رفعت ومطار منغ العسكري، لكن بالمقابل تعمل تركيا على بسط سيطرتهما عليهما.

ويرجح مراقبون ومحللون سياسيون حدوث اتفاق روسي تركي تتنازل بموجبه روسيا عن تل رفعت لصالح تركيا، مقابل إنهاء وجود فصائل المعارضة من معرة النعمان وجسر الشغور، كما تحاول كل من تركيا وروسيا وإيران سد الفراغ الذي من المتوقع أن يخلفه انسحاب القوات الأمريكية من سوريا

وأمام هذه الوقائع ُتثار تساؤلات عن مدى قبول روسيا بمثل هذا الاتفاق، وعن طبيعة التحالفات التي ستشهدها سوريا بعد عفرين وإجلاء الغوطة الشرقية.

شكوك حول انسحاب القوات الأمريكية من سوريا

قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب القوات الأمريكية من سوريا والتركيز على القضايا الداخلية للولايات المتحدة، فيما لم يلقى القرار دعم وتأييد المسؤولين والحلفاء الذين حاولوا اقناعه أن مهمة القوات الأمريكية لم تنته مع استمرار نشاط عناصر الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا.

وبعد أن قرر ترامب في وقت سابق تجميد تخصيص 200 مليون دولار لعمليات إعادة الإعمار في سوريا إلى أجل غير مسمى، طالب المملكة العربية السعودية بتقديم 4 مليارات دولار إضافية لدعم عمليات إزالة الألغام وترميم البنى التحتية في سوريا.

وقال ترامب “مهمتنا الأساسية في سوريا تنتهي بانتهاء تنظيم الدولة هناك، وإذا كانت السعودية مهتمة جدا ببقائنا عليها أن تدفع”.

وخلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، دعا واشنطن إلى الحفاظ على وجودها في سوريا لمواجهة توسع النفوذ الإيراني في المنطقة ككل.

ختاماً، هناك عدة جهات ودول متورطة بالنزاع الدائر في سوريا ولكل منها أجندته ومصالحه الخاصة، والتوصل إلى حل لهذا الوضع المعقد بات صعب للغاية خصوصاً أن مستقبل سورية ترسمه إيران وروسيا وتركيا دون أن يكون للنظام السوري أي دور يُذكر.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة