ارتباط وتنافر الجانبين السياسي والاقتصادي يتأكد يوم بعد آخر، إذ تواجه استثمارات أمازون في السعودية أزمة كبيرة، نتيجة الخلاف بين جيف بيزوس مالك عملاق التجارة الالكترونية، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

فخلال رحلة ولي العهد إلى أميركا العام الماضي، التقى بيزوس بالأمير بن سلمان وتباحثا حول مجالات التعاون والفرص الاستثمارية التي تصب في إطار رؤية 2030، ومنها فتح ثلاث مراكز بيانات لشركة أمازون في المملكة، حتى أن موقع الشركة أعلن عن وظيفة رئيس للسياسة العامة في السعودية منذ مايو (أيار) العام الماضي.

وكانت أمازون أعلنت منذ عامين أنها تخطط لإنشاء مراكز خدمات لها في الشرق الأوسط أوائل 2019 تتركز في البحرين إضافة إلى مراكز بيانات في السعودية، لكن الصفقة لم تتم والسبب هو قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلادة بإسطنبول أوائل أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

قضية مقتل خاشقجي لا يزال يتردد صداها، واليوم تلقي بظلالها على استثمارات أمازون في السعودية، والسبب هو تغطية صحيفة واشنطن بوست، التي كان يعمل بها خاشقجي، لهذه القضية وعدم تدخل بيزوس كمالك للصحيفة للحد من الدخول في تفاصيل القضية والتركيز عليها بكثافة، ما أثار غضب محمد بن سلمان خصوصاً مع وجود ادعاءات بضلوعه في مقتل خاشقجي.

ما الذي دفع بيزوس لإيقاف استثمارات أمازون في السعودية؟

أصبح لصحيفة واشنطن بوست الكثير من الأعداء واولهم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وذلك على خلفية نشر تقارير حول الصلة التي تجمع بين الرئيس وقادة السعودية، ورفضه فرض عقوبات عليها أو إدانتها في قضية مقتل خاشقجي.

وعقب حادث الاغتيال، دشن ناشطون سعوديون هاشتاغ #مقاطعة_أمازون تنديداً بتغطية صحيفة واشنطن بوست للقضية، وشهدت الحملة سجال بين مؤيد ومعارض لها باعتبار أن الصحيفة تؤدي مهامها بحرفية تجاه أحد كتابها  الذين قتلوا بطريقة بشعة.

دور سعودي في ابتزاز بيزوس

زاد التصعيد بين بيزوس ومحمد بن سلمان، بعد تصريحات وتلميحات من أغنى رجل بالعالم حول ضلوع المملكة في ابتزازه وتسريب صور له ورسائل خاصة مع عشيقته لورين سانشيز وهي مذيعة في تلفزيون فوكس وممثلة أمريكية، ما أدى إلى انفصاله عن زوجته.

وفي وقت سابق، عيّن مؤسس موقع أمازون فريقاً أمنياً للتحقيق بشكل دقيق حول من يقف وراء فضيحة تسريب رسائله الجنسية إلى عشيقته لمجلة أمريكية، متسببة بانفصاله عن زوجته ماكينزي (48 سنة)، بعد زواج دام 25 عاماً.

وكشف بيزوس أن هناك دوافع سياسية وراء قيام مجلة ناشنال إنكوايرر بنشر الصور والرسائل الخاصة، متحدثاً عن علاقة تجمع بين السعودية والشركة المالكة للمجلة “إي أم آي”، فيما نفى وزير الخارجية السعودية عادل الجبير ذلك واصفاً الخلاف بين بيزوس والمجلة بـ”المسلسل السخيف”.

والقصة تدور حول مالك المجلة ديفيد بيكر والذي تربطه علاقة وطيدة بالرئيس ترامب حيث دعاه إلى عشاء في البيت الأبيض مصطحباً معه ضيف مسؤول سعودي رفيع المستوى، فضلاً عن أن المجلة نشرت العام الماضي عدداً خاصاً يمجد محمد بن سلمان وخططه الإصلاحية، دون الإشارة إلى اعتقال رجال أعمال ووزراء وأمراء في إطار ما سمته السلطات السعودية بحملة مكافحة الفساد.

ويقول يزوس، أن بيكر يؤيد السعودية بهدف الحصول على فرص استثمارية، وسابقاً تورط بيكر في قضية العارضة التي ادعت إقامتها علاقات جنسية مع ترامب قبل انتخابات الرئاسة في 2016، ودفع لها 150 ألف دولار مقابل تخليها عن القضية، وقد يكون من الشخصيات ذات التأثير النافذ في الولايات المتحدة كونه يمتلك ملفات سرية يهدد بها نجوم وسياسيين ورجال أعمال.

وباعتبار مالك المجلة صديقاً مقرباً للرئيس ترامب، يشكك المحققون بأن الهدف من نشر الفضيحة هو الانتقام من بيزوس صاحب صحيفة التي تزعج الرئيس.

التحقيقات لا تزال جارية، ومن غير المؤكد إذا كانت المحاكم ستقبل بادعاءات بيزوس حول تعرضه للابتزاز، خصوصاً أن هاتفه لم يتعرض للقرصنة، وإنما تم تتبعه من قبل مؤسسة والشبهات تدور حول المملكة التي سبق لها أن قرصنت حساب خاشقجي على تطبيق واتساب للمراسلات.

وبدا عداء ترامب تجاه أغنى رجل في العالم بشكل واضح، عندما سخر منه وتهكم عليه بعد انفصاله عن زوجته، واصفاً إياه بـ “Bozo”التي تعني “الغبي”، وكتب في تغريدة له على تويتر: “آسف جداً لسماع هذه الأخبار عن أن جيف الغبي هو ضحية أحد المنافسين، على حدّ علمي فإن تقاريره أكثر دقة بكثير من تلك التي نشرتها صحيفة اللوبي أمازون واشنطن بوست”.

وكل هذه العوامل وقفت عثرة في وجه استثمارات أمازون في السعودية، التي توسعت سابقاً داخل المملكة من خلال شرائها “سوق.كوم”، أكبر شركة تجارة إلكترونية في الشرق الأوسط.

ولا تعد أمازون الشركة الوحيدة التي تستهدف التوسع في المنطقة، فأعلنت أوراكل وألفابت عن خططهما لفتح مراكز معلومات.

وليس فقط استثمارات أمازون في السعودية من تأثر بالقضية، ولكن أيضاً مكانة المملكة على المستوى العربي والإقليمي والعالمي، ويسعى بن سلمان من خلال جولاته العربية والعالمية التركيز على نهج الانفتاح والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في إطار رؤية 2030.

تأجيل جولة محمد بن سلمان في آسيا

كانت إندونيسا تنتظر توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات مع السعودية إلى أن تم تأجيل زيارة محمد بن سلمان إلى كل من ماليزيا وإندونيسيا، فيما تأخرت زيارته إلى باكستان يوماً.

ويأتي ذلك في ظل الاحتجاجات التي تندد بتورط ولي العهد بمقتل خاشقجي، والعزلة التي تعيشها المملكة بسبب هذه القضية، والتي تجلت مؤخراً بوضع المفوضية الأوروبية السعودية ضمن قائمة سوداء تتهمها بالتهاون في غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلا عن المطالب الأوروبية المتكررة بالكشف عن تفاصيل قتل خاشقجي والمتورطين فيها.

أخيراً، مع تراجع اهتمام أمريكا بمنطقة الشرق الأوسط، وبروز الدور الروسي على الساحة الإقليمية والعالمية، توجه ولي العهد السعودي العام الماضي إلى بريطانيا لتعزيز الشراكات وبهدف تنويع الحلفاء العالميين، خصوصاً مع توتر الأوضاع في المنطقة وملف قضية اليمن الذي تسبب للمملكة بانتقادات كبيرة.

كما لفتت قضية خاشقجي الأنظار إلى طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية، ومعاداة ترامب لإيران التي جعلت من ولي العهد شريكاً أساسياً على المستويين السياسي والاقتصادي.

يذكر أن كتاب “نار وغضب” لمؤلفه مايكل وولف كان قد كشف عن أسرار العلاقة التي تجمع بين محمد بن سلمان وصهر الرئيس ترامب ومستشاره جاريد كوشنر الذي كان له يد في قضايا وملفات هامة مثل القضية الفلسطينية الإسرائيلية وملف اليمن فضلاً عن حملة الاعتقالات في إطار حملة مكافحة الفساد.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة