وصلت أسعار صرف الدولار الأمريكي إلى اعلى مستويات لها في أسبوع التداول الأخير من شهر أيار، متأثرة بتراجع كبير لمجموعة من العملات العالمية الرئيسية كان في مقدمتها اليورو واليوان الصيني.

وانعكس شيوع حالة من الضبابية على المشهد الاقتصادي في عموم أوروبا وآسيا وبريطانيا، على أسعار مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) الذي حصل على دعم كبير اخذ به للاقتراب من أعلى ذروة له خلال عاميين متتالين.

ويقيس مؤشر الدولار قيمة العملة الخضراء مقابل سلة من ستة عملات عالمية رئيسية، بدأ عام 1973 حين افترضت قيمة 100 على اعتبارها القيمة الأساسية للمؤشر، فيما يشير التراجع دون مستوى 80 إلى فقدان الدولار لــ 20 بالمائة من قيمته، والارتفاع إلى ما فوق 120 هو زيادة في قيمة الدولار الأمريكي بنسبة 20 بالمائة.

تاريخيًا وصل هذا المؤشر لأعلى قيمته في عام 1985 حيث كان عند 148.12 وأدناها سجل في عام 2008 مع وصوله إلى 70.70 أما اليوم فقد سجل المؤشر 98.19 تقريبًا وهو اعلى مستوى منذ نيسان الماضي.

وساهمت المخاوف بشأن قطاع الصناعات التحويلية الألماني، وتأثير الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية على اقتصادات آسيا، ثم تعمق الخلافات والازمة السياسية حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فضلًا عن الانتخابات البرلمانية المقبلة في أوروبا، لتظهر الوقائع أوقات عصيبة جدًا تمر بها دول في آسيا والاتحاد الأوروبي.

كيف ساهمت أسعار صرف الدولار الأمريكي في تراجع باقي العملات؟

اليورو تراجع إلى ما دون مستوى 1.11 خلال يوم الخميس لكنه عوض جزء هام من التراجعات ليسجل 1.11850 في منتصف فترة التداولات الأمريكية من اليوم الأخير لشهر أيار، اما الجنيه الإسترليني فلم يكن بحال أفضل حين هبط إلى ما دون مستوى 1.26 منذ كانون لثاني الماضي.

وحده الين الياباني صعد على نطاق واسع في نهاية تداولات الأسبوع، كان ذلك بفعل الضغط الكبير الذي شكلته المخاوف من التصعيد المحتمل في الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، كذلك استفادت العملة اليابانية من التطورات الأخيرة التي حصلت في بريطانيا مع اعلان رئيسة الوزراء تيريزا ماي عزمها الاستقالة من منصبها، بسبب الفشل في التوصل إلى اتفاق لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

سجلت أسعار الين مقابل الدولار الأمريكي ارتفاع بلغ 0.1 بالمائة لتصل إلى 110.23 في الوقت الذي كانت فيه معدلات الصرف عند أدنى مستوياتها منذ أسبوعين، كما ارتفعت أسعار العملة اليابانية مقابل كلًا من اليورو والجنيه الإسترليني والدولار الاسترالي بنسبة 0.2 بالمائة مقابل اليورو، و0.3 بالمائة مع الجنيه الإسترليني، ومثلها للدولار الأسترالي.

دعوات للتحرر من قبضة الدولار

الحروب التجارية التي تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية، ومعدلات الأسعار الحالية للعملة الخضراء، فضلًا عن تصريحات الإدارة الأمريكية الأخيرة حول مراقبة التلاعب العملات العالمية، حفزت بمجملها باقي الدول للرد على الوضع الراهن وإطلاق التصريحات المعاكسة من قبل الصين وماليزيا.

حيث قال رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد ان يتوجب على دول منطقة شرق آسيا إطلاق عملة جديدة موحدة مرتبطة بسعر الذهب، وأضاف أن المنطقة يجب ان تفكر بشكل جدي في التحرر من الاعتماد على الدولار الأمريكي في التعاملات المالية.

وكشف محمد ان أسعار صرف الدولار الأمريكي ليست مستقرة حتى يتم الاعتماد عليها في العملات الوطنية، ودعا إلى الاعتماد على الذهب الذي يشكل أحد الأصول الأكثر استقرارًا في العالم.

حديث رئيس الوزراء الماليزي، والذي تريد بلاده بناء جدارا مع الحدود التايلندية، كان خلال مؤتمر عقد في طوكيو، وفي معرض التحذير من مخاطر نظام الصرف الأجنبي السائد حاليًا، والذي يسمح بتعرض العملات المحلية للتلاعب والتأثر بالعوامل الخارجية، ليأتي الاقتراح الماليزي بوصفه فرصة لاعتماد عملة موحدة جديدة تستخدم لأغراض تسوية التجارة.

وفي وقت سابق من الأسبوع الماضي، تحدث المسؤولون الامريكيون عن احتمالات تلاعب بالعملات حول العالم، وقالت الإدارة الأمريكية حينها ان وزارة الخزانة قد أدرجت ماليزيا على قائمة من تسع دول يجب مراقبتها بشكل لصيق بسبب شكوك بالتدخل في سعر صرف العملات المحلية الخاصة بها، وكان من تلك الدول الصين وماليزيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها.

ويمضي مهاتير محمد ولايته الثانية بعد النجاح المفاجئ في الانتخابات العامة التي جرت العام الماضي، حيث لدى الزعيم الوطني المحبوب شعبيًا رصيد من الإنجازات بوصفه خبير مالي ذو سمعة مميزة.

وكان محمد قد ربط عملته المحلية بالدولار الأمريكي خلال الأزمة المالية في آسيا، حينها ثبت شعر صرف الرينغيت (وهي العملة المحلية التي توقف العمل فيها عام 2005) عند 3.8 دولارات، ثم فرض إجراءات صارمة للتحكم في تدفقات رؤوس الأموال.

الدولار الأمريكي يعاند دونالد ترامب

سعى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال فترة ولايته إلى المحافظة على سعر صرف جيد للدولار الأمريكي، ومصطلح جيد بحسب ما يفهمه ترامب لا يعني القوة الحالية التي تتمتع بها الورقة الخضراء.

ولطالما انتقد ترامب مجلس الاحتياطي التابع للبنك الفيدرالي الأمريكي، خاصة عندما لجأ الأخير إلى تشديد السياسة النقدية ما تسبب في اكتساب الدولار الأمريكي لقوة أضرا ت بقدرة الولايات المتحدة على المنافسة، بحسب زعم ترامب

فخلال لقاء مع وسائل الإعلام المحلية، تحدث الرئيس الأمريكي بشكل واضح عن رغبته في بقاء الدولار الأمريكي قويًا، إلا أنه شدد أن القوة الحالية للدولار الأمريكي تمنعنا من التعامل التجاري المرغوب به مع الدول الأخرى.

كان الاقتصاد جزء رئيسي من البرنامج الانتخابي للرئيس الأمريكي، الذي انتقد لأكثر من مرة أداء جيروم بأول رئيس مجلس الاحتياطي الأمريكي، على الرغم من أن ترامب هو من جاء به وعينه في منصبه، إلا أن جيروم بأول أقدم على رفع أسعار الفائدة لأربع مرات متتالي خلال الفترة الماضية وهو مالم يرق لـ ترامب.

الجدير بالذكر أن العملات الضعيفة غالبًا ما تؤدي لتنشيط التجارة وصادرات البلاد، وهو الامر الذي يسعى له ترامب في محاولة منه لتقليل عجز الميزان التجاري الأمريكي.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة