قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ان على روسيا أن تسحب القوات الروسية من فنزويلا التي تشهد اضطرابات سياسية وشعبية واسعة ضد حكم الحزب الاشتراكي الموحد برئاسة نيكولاس مادورو، واعتبر ترامب ان ارسال قوات روسية لحماية النظام الحاكم ثم بقاء تلك القوات في فنزويلا يعتبر استفزازًا خطيرًا.

كلام ترامب جاء خلال استقبال زوجة رئيس المعارضة الفنزويلية في البيت الأبيض، وعلى وقع اتساع الأزمة التي تتعرض لها فنزويلا والمظاهرات الشعبية التي حاولت خلع الرئيس مادورو، قبل أن ينفذ الجيش الفنزويلي انقلاب فاشل استدعى تدخل الروس.

وتابع ترامب أن كل الخيارات تبقى متاحة لحمل الروس على الانسحاب من البلد الغني بالنفط، والذي يشهد في نفس الوقت، اضطرابات اقتصادية عنيفة يتوقع فيها صندوق النقد الدولي أن يصل معدل التضخم إلى مليون بالمائة (1.000.000 %) خلال فترة قريبة.

وكانت روسيا قد أرسلت طائرتي شحن عسكريتان إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس، حملت 100 عسكري إلى جانب قائد أركان القوات البرية الروسية، مع 35 طن من المعدات والمساعدات للبلاد.

الكرملين رفض التصريحات الأمريكية حيث قالت ماريا زخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية، أن الخبراء الروس يعملون في كاركاس تحت مظلة القانون الفنزويلي، وانهم سيبقون هنالك حتى تقرر الحكومة المحلية في البلاد تاريخ مغادرتهم.

وتقول الحكومة الروسية أن تواجد قواتها يأتي في نطاق التعاون العسكري والتقني بين البلدين، وهو ما تحكمه الاتفاقيات الموقعة سلف بين الجانبين ويشمل تدريب وتسليح موسكو للقوات الحكومية في كاركاس.

كيف تبدو توازنات القوى في فنزويلا؟

تتصارع كلًا من واشنطن وموسكو في ساحة عالمية جديدة، فبعد الاشتباك الذي مازال مستمرًا في سوريا منذ عام 2011، انعكس الصراع بين البلدين على التوازنات المحلية في كاراكاس، ما زاد في تعقيد الأزمة التي افجرت في الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني الماضي.

تدعم موسكو الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في حين تسعى واشنطن لإسقاطه، مقابل دعمها لزعيم المعارضة خوان غواينو الذي أعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد، مستفيدًا من الدعم الأوروبي كذلك.

وفي الوقت الذي يتعهد فيه مادورو بتوقيع 20 اتفاقية مع روسيا، ويؤكد على عمق العلاقات العسكرية والاستراتيجية، ثم يطالب بمزيد من المساعدات لبلاده من موسكو، يندد الخصم السياسي وزعيم المعارضة خوان غواينو بوجود القوات الروسية ويعتبر هذه الخطوة غير شرعية، وتشابه سلطة الاحتلال التي تحافظ على رئيس فاقد للشرعية ويرفضه الشعب.

وتقول المعارضة الفنزويلية أن الحكومة الحالية لا تثق بقوات الجيش والأمن المحلية، وأنها حولت الأجهزة الأمنية إلى أدوات لقمع الشعب الفقير في فنزويلا، ومنعه في الاستفادة من ثروته النفطية التي تبخرت في الهواء مع حكم الحزب الاشتراكي الموحد، برئاسة نيكولاس مادورو.

وصل الاستقطاب لدرجة عالية من الحدة، وزادها الصراع الدولي والاتهامات المتبادلة بين الأطراف جميعها، مما يعني أن الأزمة ستبقى مفتوحة الاحتمالات مع تدافع القوى الدولية فيما بينها.

الولايات المتحدة الأمريكية رفعت من سقف المواجهة، وذهبت في موقفها لأبعد من التصريحات، حيث أعلنت عن مشروع قانون يكافح تدخل روسيا ونفوذها في فنزويلا، إلا أن هذا القانون بحاجة لإقراره من قبل مجلس الشيوخ، ثم يحتاج لتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليه.

جاءت هذه الخطوة مباشرة بعد ارسال موسكو لقواتها العسكرية إلى العاصمة الفنزويلية كاركاس، وتصريحات الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا التي قالت فيها ” على الولايات المتحدة الأمريكية رفع وصايتها عن دول العالم، وإيقاف تدخلها في الشؤون الداخلية للدول” ثم اضافت ” يجب على الولايات المتحدة الامريكية سحب جنودها من سوريا، قبل ان تطلب من روسيا إيقاف التدخل في فنزويلا”.

 

خلافات الإدارة الأمريكية في ملف فنزويلا

قالت صحيفة الــ “واشنطن بوست” أن خلافًا وقع في الإدارة الأمريكية بسبب الوضع الحالي في فنزويلا، والفشل في الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، ونقل السلطة للمعارضة في البلاد التي تعاني من ازمة اقتصادية وسياسية خانقة.

وذكرت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد انتقد أداء وأسلوب مستشار الأمن القومي جون بولتون في هذا الملف، ثم ابدى شكوكه تجاه قدرة مرشح المعارضة غوايدو على كسب دعم وتأييد الجيش.

ونشرت الصحيفة في تقرير لها خصصته عن الوضع في فنزويلا، معلومات عن محاولة تضليل الرئيس الأمريكي والإيحاء بأن إسقاط مادورو سيكون سهلًا للغاية، وأن الجيش سيتخلى عنه بعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد التي تعاني من معدلات تضخم كبيرة جدًا. تلك المعلومات وضعتها “واشنطن بوست” على لسان المسؤولين وبعض المستشارين في البيت الأبيض دون ذكر لأسمائهم.

ترامب لا يريد أن يحشر الولايات المتحدة الأمريكية في “مستنقعات أجنبية”، فيما يحاول جون بولتن مستشار الأمن القومي ان يجر الرئيس إلى الحرب، بحسب وصف الرئيس الأمريكي، الذي أصبح حذرًا أكثر فيما يتعلق بالشأن الخارجي! وخاصة في مناطق وأزمات العالم المتشابكة.

ففي وقت سابق من العام الماضي، أعلن دونالد ترامب عن تخفيض اهتمام الولايات المتحدة بالشأن السوري، وفي هذا السياق سحبت الولايات المتحدة الأمريكية عدد كبير من جنودها الذين كانوا يقودون الهجوم على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، حينها أعلن ترامب الانتصار على التنظيم الذي ظهر واختفى بعد أن انتزع جزء كبير من مساحة البلاد من ايدي المعارضة السورية التي حاربت نظام الرئيس بشار الأسد.

كانت تلك إشارة واضحة للأهداف الأمريكية واستراتيجيتها الحقيقية، والتي أعادت بشكل غير مباشر السيطرة لحكومة دمشق على حساب الشعب الذي ثار ضد حكم عائلة الأسد المستمر منذ 49 عامًا.

يذكر ان التزام ترامب بحل قضية فنزويلا جاء بصيغة تعهد في الأيام الأولى من رئاسته، حيث يعتقد ترامب أن الحل لا يجب ان يكون سريعًا، فهو يعمل باستراتيجية النفس الطويل والأهداف بعيدة الأمد.

القوات الروسية في فنزويلا

يقول المحلل السياسي والعسكري الروسي أندريه فرولوف أن القوات العسكرية الروسية رمزية ولا يجب تحميل موضوع وجودها هذا الزخم” ويتابع حديثه ليعتبر التدخل الروسي في إطار حماية المصالح الروسية في فنزويلا، بل يؤكد أنه من الخطأ عدم تحرك روسيا بأي شكل من الاشكال خلال المرحلة الحالية.

 

ويشدد الخبير الروسي على محدودية التدخل حين يقول إن طائرتي النقل العسكريتين لا تستطيع نقل أعداد كبيرة من الجنود، ويكشف أن طائرة N124 وشقيتها l62 سبق ان زارتا كاركاس في العام الماضي، ضمن إطار التعاون العسكري بين البلدين. إلا أن كلام مصادر مقربة من الحزب الحاكم -الحليف لروسيا، تعارض كلامه حين تذكر أن القوات العسكرية هي من قوات النخبة الشيشانية الخاصة، والتي تمتلك قدرات قتالية عالية.

 

وتكشف المعارضة في فنزويلا ان تلك القوات تنتمي للفرقة 47 القوقازية، وهي متخصصة بعمليات التدخل السريع ومكافحة التنظيمات الإرهابية، وان هذه القوات شاركت في معارك دونباس في أوكرانيا عام 2014 وكذلك في عام 2015 لدعم الانفصاليين حينها، كما تدخلت في معارك سوريا لدعم الرئيس بشار الأسد ضد الثورة الشعبية في بلاده.

 

بدورها قالت المعارضة ماريا ماتشادو ، التي خاضت الانتخابات الرئاسية في وجه الرئيس الراحل هوغو تشافيز، أن هنالك تواجد لقوات خاصة كوبية كذلك، وهي التي تقوم حاليًا بحماية الرئيس نيكولاس مادورو، وسوف تقاتل إلى جانب الجيش الفنزويلي في حال طلب منها الرئيس ذلك.

وتتابع ماريا أن هنالك معلومات حول وجود قوات مسلحة على شكل ميليشيات ومرتزقة من كولومبيا، وسلفادور، وهندوراس وأن تلك القوات تتحضر لدخول فنزويلا قريبًا لدعم الرئيس مادورو. كلام المعارضة بتطابق مع تسريبات لمصادر مطلعة في العاصمة الروسية موسكو، قالت فيها أن أجهزة الاستخبارات الروسية على علم بتطورات كبيرة وشيكة الحدوث في البلاد.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة