تراجعت أسعار الذهب في نهاية تداولات الأسبوع الماضي لتسجل مستوى 1418 دولار أمريكي عند الإغلاق، في الوقت الذي سيطرت فيه الحركة الجانبية على مجمل أيام التداول بعد سلسلة من الارتفاعات المتتالية في أسعار الذهب، والتي أضافت ما يقارب 50 دولار امريكي للأونصة الواحدة في الأسبوع الذي سبقه.

وكانت أسعار الذهب قد تحركت خلال يومي الأربعاء والخميس من الأسبوع قبل الأخير، بصورة كبيرة نحو الأعلى قادمة من مستويات 1399 دولار أمريكي، في منتصف تداولات يوم الأربعاء، قبل ان تغلق الأسواق على ارتفاعات اضافت 30 دولار للأونصة الواحدة خلال عشرة ساعات فقط.

ثم كررت تداولات الفترة الأمريكية من يوم الخميس، لنفس الأسبوع، حركة الاندفاع نحو الأعلى، على الرغم من تعويض الأسعار جزء من الارتفاعات عبر حركة تصحيحية توقفت تمامًا بعد ملامسة مستوى الدعم 1414 دولار امريكي، ما أوصل الأسعار لتسجيل قمة سعرية هامة بلغت مستوى 1453 دولار أمريكي.

تذبذبات أسعار الذهب ومسار الحركة الجانبية الضيقة التي شهدتها بعض جلسات التداول خلال الأسبوع الماضي، كانت كافية للحديث من جديد عن احتمالات وسيناريوهات متوقعة بالنسبة لأسعار الذهب على المدى قصير ومتوسط الأجل. إلا أن السيناريوهات القادمة تتضارب فيما بينها بصورة تسمح بمزيد من التذبذبات السعرية، وهو الأمر السائد حاليًا في الأسواق.

كيف سيكون مستقبل أسعار الذهب في الأيام القادمة؟

سيطر خط الاتجاه الصاعد على تداولات وأسعار الذهب طوال هذا العام، وبقيت الأسواق في ارتفاع متتالي منذ ان سجلت الأسعار أدنى مستوياتها في عام 2019 عند 1269.55 دولار أمريكي تقريبًا. إلا أن الأسواق لم تمتلك الزخم الشديد خلال حركة الارتفاع ما تطلب أكثر من 5 أشهر متتالية حتى وصلت الأسعار إلى قيمها الحالية.

في قراءة تاريخية للرسم البياني الممتد حتى عام 2011، نلاحظ ان أسعار الذهب هبطت من القمة التاريخية الأعلى عند 1920 دولار أمريكي للأونصة الواحدة، وتابعت رحلة التراجع خلال الأربع سنوات التالية لتصل إلى أدنى مستوياتها عند 1046 دولار أمريكي تقريبًا.

وعلى الرغم من ان هذا المستوى لم يكن اقل الأسعار التي شهدتها أسواق الذهب خلال تاريخها، إلا أن طبيعة الحركة التي سيطرت على تداولات الأعوام الماضية، أعطت تلميحًا لعودة الأسعار لارتفاع وهو ما يناصره أصحاب السيناريو الأول، ففي هذا التوقع، يعتقد اغلب من يحافظ على صفقات الشراء اليوم، ان الأسعار ستتجه نحو ارتفاعات سعرية جديدة تستهدف مستوى 1522 دولار أمريكي للأونصة الواحدة خلال الأيام والاشهر المقبلة.

تحقق هذا الافتراض يستوجب توفر زخم كافي ضمن خط الاتجاه، يدفع الأسواق في الفترة الأولى لتجاوز الهدف الأول والذي يتمثل بالقمة السعرية الأقرب حاليًا، والتي تطابق مستوى 1452 دولار للأونصة الذهبية.

تجاوز الأسعار لهذا المستوى، ثم إعادة الاختبار من جديد بعد ارتفاع الأسعار سيعني تحول مستوى المقاومة إلى مستوى دعم، وهذا يساهم في تحضير الأسواق لرحلة الصعود القادمة نحو الهدف المنشود.

لكن الاتجاه أو السيناريو الثاني، والذي يسيطر على جزء من آراء المتداولين اليوم يفترض فشل السوق في توفير الزخم الكافي في رحلة الصعود السابقة، وان هذا الفشل تجسد بصورة واضحة مع اقتراب الأسعار كثيرًا من القمة السابقة، وعدم القدرة على تجاوزها، وبالتالي فإن خط الاتجاه سيتغير قريبًا، ما يعني عودة الأسعار للتراجع مع مستويات أكبر هذه المرة، تأخذ الأسعار في بداية رحلة الهبوط نحو محيط مستوى 1400 دولار أمريكي، قبل المتابعة نحو الهدف الثاني عند 1382، ومستوى 1358، ومن ثم مستوى 1319 دولار أمريكي على التوالي.

لكن الحديث عن رحلة هبوط يبقى بعيدًا نسبيًا عن ارض الواقع، لأن المناخ السائد عمومًا والاحداث والتطورات المتلاحقة في ملف إيران النووي، واتفاقية التجارة العالمية، والحرب التجارية مع الصين، فضلًا عن مستقبل أسعار الفائدة والسياسة النقدية والمالية للبنوك المركزية في كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، كل هذا يعتبر من عوامل الضغط التي تدفع الكثيرين للتحوط من المخاطر والاقتبال على الذهب كسلعة ملاذ آمن، وهو ما سوف يخلق طلب إضافي يدفع الأسعار للارتفاع.

التأثير الأمريكي على أسعار الذهب

تؤثر البيانات والاخبار الاقتصادية الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر على أسعار الذهب، وهنالك علاقة مباشرة عكسية ما بين سعر الدولار الأمريكي وأسعار الذهب. فخلال الفترة الماضية ترقبت الأسواق الكشف عن قراءة تقرير مؤشر طلبات البضائع المعمرة، والتي تعتبر من اهم التقارير الاقتصادية الامريكية بسبب كونها تعادل نحو نصف الإنفاق الاستهلاكي من جهة، وحوالي ثلثي الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، حيث تستطيع من خلال هذا التقرير كشف تباطؤ النمو في البلاد، ومستقبل سعر الدولار الأمريكي من جهة ثانية.

في هذا السياق، تحدث سيفين مينوتشن وزير الخزانة الأمريكي خلال الأسبوع الماضي، عن مكانة الدولار الأمريكي وانه سيبقى العملية الاحتياطية الأولى عالمياً على المدى الطويل. كلام الوزير الأمريكي يعطي إشارة لأصحاب الاتجاه المتشائم في أسواق الذهب، ان الأسعار ستتراجع.

من المعلوم للجميع ان قوة الدولار تعكس قوة الأوضاع الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، تلك القوة ترتبط ايضًا بحل لمجموعة من القضايا العالقة، وفي مقدمتها الحرب التجارية مع الصين، واتجاهات النزاع مع إيران.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال خلال الأسبوع الماضي في هذا السياق، انه يعمل مع الرئيس الصيني شي جينج بينج للتوصل إلى اتفاق تجاري، وهو امر إيجابي بالنسبة لتخفيف حجم الضغوط والمخاطر. لكن ترامب قال بوضوح في نفس السياق، انه من الصعب التوصل إلى اتفاق مع الجانب الإيراني، وهذا يعادل من جديد الآراء حول احتمال تطور الأمور نحو الأسواء وبقاء ضغوط المخاطر ظاهرة على الأسواق وهو ما يعني الاتجاه للتحوط عبر شراء الذهب.

يبقى ان نشير إلى ان صندوق النقد الدولي، قد خفض يوم الثلاثاء الماضي توقعاته للنمو العالمي للمرة الرابعة على التوالي خلال تسعة أشهر، ما يعني بداية ظهور انكماش على مستوى الاقتصاد العالمي.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة