قالت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن عمليات التلاعب بالعملات في الصين تستوجب اهتمامًا كبيرًا، ما بين باقي الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الأمريكية حول العالم، في الوقت الذي رفضت فيه بكين التصريحات الأمريكية معتبرًا أن قضية التلاعب بالعملات لا يمكن ان يترك تحديدها للجانب الأمريكي.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت إلى جانب الصين مجموعة من ثمانية دول تحت مجهر المراقبة، هي اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وفيتنام وإيطاليا وألمانيا وايرلندا. فيما راجعت وزارة الخزينة الامريكية ملفات 21 بلدًا تعتبر من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الأمريكية.

وكان تقرير صادر عن الوزارة قد أوصى بمتابعة نشاطات الصين بشكل دقيق بسبب ممارسات يعتقد أنها ترتبط بتخفيض أسعار العملة المحلية للبلاد. وكشف التقرير، النصف سنوي، أنه لم يتم استيفاء المعايير القانونية ذات الصلة والتي صدرت عام 2015، وعليه لا يمكن اعتبار أي من الشركاء متلاعبًا بالعملة.

وتستخدم الولايات المتحدة الأمريكية ثلاثة معايير عند النظر إلى احتمالات وجود تلاعب في سعر صرف العملة المحلية لبلد ما مقابل الدولار الأمريكي، هي وجود فائض تجاري كبير، واختلال في ميزان المعاملات التجارية، وأدلة على تدخل أحادي مستمر من قبل الدول التي ترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية في نشاطات اقتصادية وتجارية.

ماذا يعني التلاعب بالعملات وماهي مخاطر حدوثه؟

تعمل البنوك المركزية على تثبيت أسعار المستهلكين عادة للحفاظ على نسب التضخم وفق الحدود المطلوبة في الخطة الاقتصادية، وتستخدم البنوك المركزية أدوات محددة في معالجة ملف التضخم، من أهمها أسعار الفائدة التي تستطيع تقوية عملة البلاد في حال ارتفاعها وتخفيض قيمة العملة في الحالة المعاكسة.

ففي حال كانت أسعار الفائدة منخفضة في أوروبا مثلًا، فإن قيمة اليورو امام الدولار الأمريكي ستكون في تراجع مستمر، هذا يعني على خلاف اتجاه المستثمرون لشراء العملات الضعيفة وزيادة الطلب عليها بانتظار ارتفاعها، سيكون امام التجار فرصة لشراء السلع واستيرادها من البلدان ذات العملة الرخيصة، بدلًا من تصنيعها محليًا او استجرارها من موردين محليين.

فلو كان لديك شركتان تقدمان الهاتف المحمول مثلًا، فإن تلك التي تعمل في بلدان تتمتع بعملة رخيصة ستقوم ببيع وتصدير هواتف أكثر، وهذا سيؤثر على الميزان التجاري ما بين الدولتين، ويكون لصالح صاحب العملة منخفضة القيمة.

في نفس السياق، سيؤدي تراكم قيمة الصفقات المتزايدة لوجود احتياطي مالي أعلى من عملة البلاد العالية القيمة في تلك البلدان المصدرة، وهو ما بدأ يحدث منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما حصلت الصين على احتياطيات كبيرة من الدولار الأمريكي، نتجت عن عمليات التصدير الواسعة التي غزت الولايات المتحدة الامريكية.

وزارة الخزانة في واشنطن، قالت إن التدخلات المباشرة للبنك المركزي في الصين والذي يعرف باسم بنك الشعب الصيني، كانت محدودة في العام الماضي، إلا ان باقي الممارسات الصينية قد تظهر بصورة تشجع على تخفيض سعر اليوان في البلاد. نفس الممارسات لم تشكل جرس انذار بالنسبة لواشنطن مقابل كلًا من الهند وسويسرا، اللتان تم حذفهما من قائمة المراقبة الأمريكية. لكن الحرب التجارية المستعرة بين الصين والولايات المتحدة اليوم، جعلت من القضية مركزًا لتسليط الضوء.

لقد أثارت الحرب التجارية بين بكين وواشنطن قلقا عالميًا، فتأثرت أسواق المال بشدة وظهرت مخاوف من اقدام الصين على استعمال ما في حوزتها من أموال أمريكية في كسر سعر الصرف للدولار، والخوف الأكبر كان من تحريك سندات الخزينة الامريكية، والتي تمتلك منها الصين الحصة الأكبر في العالم، كجهة خارجية.

الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السلع والواردات الصينية، ستقلل من الاستيراد حتمًا، لكنها لن تعطي فرصة تفضيلة للبضائع الأمريكية التي تباع بقيمة عالية نتيجة ارتفاع سعر الدولار الأمريكي، هذا قد يعني ان أسعار المستهلك ستقفز نحو الأعلى ومعها نسب التضخم.

الرد الصيني المحتمل

الجانب الصيني يعتبر الحديث الأمريكي جزءً من الحرب التجارية الدائرة رحاها بين البلدين، لذا لا يغيب أي تصريح او قرار امريكي عن الردود الصينية، حيث قال لو كانغ الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية يوم أمس الجمعة أن بلاده تأمل بألا تجري الولايات المتحدة تقييمات أحادية الجانب، وذكر ان عملية تحديد تلاعب دولة ما في أسعار الصرف الخاصة بها، أمر لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية تقديره.

في نفس السياق، سبقت تصريحات وزارة الخارجية، تناقل وسائل الإعلام لتصريحات قدمها رئيس هيئة الإشراف على القطاع المصرفي في البلاد حين قال” إن الصين لا تتخذ على الإطلاق أي تدابير مالية محددة لخفض قيمة عملتها بصورة متعمدة.

حديث المسؤول المصرفي تشابه كذلك مع رد البنك المركزي في سنغافورة، الذي جاء بعد اتهام ماليزيا بتنفيذ حملة تدخلات وإجراءات مالية، سمحت للعملة المحلية في البلاد ان تخفض مقابل الدولار الأمريكي، وهو ما نفاه البنك المركزي حين وصف التدخلات التي قام بها بكونها ضرورية لضمان عمل الأسواق بشكل منظم ومنع التقلبات الشديدة.

الخيار النووي

حالة النزاع التجارية المشتعلة بين الصين والولايات المتحدة لا تمتلك افق وتوقع محدد، فالأمور مرتبطة بتطورات الازمة ومستوى تشدد أو تساهل الطرفين، لكن أسلحة القوة موجودة والتصعيد وارد، خاصة إذا ما علمنا ان الصين قد تلجأ إلى الخيار النووي في حل أزمتها التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية

وعلى الرغم من الحديث ينقلنا فورًا إلى الخيارات العسكرية واسلحة الدمار الشامل، إلا أن الخيار النووي للصين في الحرب التجارية مع أمريكا ينحصر بالجوانب المالية فقط. فالصين تمتلك سندات دين حكومية أمريكية تفوق قيمتها 1.1 تريليون دولار أمريكي، ويقول المتابعون في الجانب الأمريكي أن مجرد التلويح بتخلي الصين عن هذه السندات، او ربما الاقدام على بيع جزء بسيط منها كبداية، سيأخذ الدولار الأمريكي في رحلة نحو الهاوية، وهذا ما يسمى بالخيار النووي.

والسبب الأساسي في تلك التسمية هي ان الصين لن تضر بالولايات المتحدة فقط، بل ستنقل الضرر والدمار إليها، لان طرح الدفعة الأولى من تلك السندات ثم دفعها للتخلي عن احتياطيات الدولار الأمريكي سيدفع بالدولار للهبوط، وهو ما يجعل قيمة ما تملك الصين أقل بكثير مما هو ظاهر على الحسابات الورقية.

الجدير بالذكر ان منع ارتفاع سعر اليوان سيزيد من جاذبية الصادرات الصينية، فيما يؤدي هبوط العملة المحلية للبلاد إلى تراجع الصادرات ونزوح رؤوس الأموال الأجنبية.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة