تحاول الحكومة الإماراتية السيطرة على تدهور أسعار العقارات في دبي، ومواجهة التخمة في المعروض عبر تشكيل لجنة تخطيط حكومية جديدة أعلنت عنها يوم أمس.

وتأتي محاولات التدخل الحالية بعد ان استمرت الأسعار في التراجع نتيجة سيطرة اتجاه الحركة السلبي على الأسواق، مع ازدياد التوقعات بين الخبراء لتباطؤ الاقتصاد وزيادة المعروض من الوحدات السكنية، ما يشير إلى كارثة تتربص باقتصاد الإمارة الذي تم رسمه للاعتماد على السياحة والتجارة.

 وكان حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قد أعلن عبر حسابة الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، عن تشكل ما اسماه اللجنة العليا للتخطيط العقاري في البلاد، والتي من المفترض ان تضم في عضويتها ممثلين عن شركات التطوير العقاري الخاصة، إلى جانب الطرف الحكومي.

قبل أكثر من خمس سنوات تقريبًا، شكلت الاحداث السياسية والتي مرت بدول رئيسية في الوطن العربي مثل سوريا ومصر وليبيا مفتاح فرج للإمارة، حيث استفادت من هجرة جزء لا بأس به من الأموال العربية نتيجة حالة عدم الاستقرار، وهو ما انعكس في ضخ سيولة في أسواق العقارات ضمن الامارات عمومًا ودبي خصوصًا.

وعلى الرغم من ذلك، فإن العقد الأخير (عشر سنوات) لم يحمل النمو المراد للعقارات، فتراجعت أسعارها لتصل إلى ذروتها مؤخرًا، في الوقت الذي نشرت فيه وكالة رويترز استطلاع للرأي حمل اراء سلبية للغاية في مجتمع خبراء العقارات.

هل تكون لجنة التخطيط العقاري مجرد ديكور؟

شمل الاستطلاع الذي نفذته رويترز، آراء لمحللي السوق في 11 شركة تعمل في الاستثمار العقاري إلى جانب معاهد أبحاث خلال الفترة الممتدة من منتصف شهر آب الماضي وحتى الثالث من أيلول الجاري، حيث خلص الاستطلاع إلى أن أسعار العقارات في دبي (أسعار المنازل) ستنخفض بحوالي 10 بالمائة خلال العام الحالي 2019، لتستمر في التراجع بواقع 5 بالمائة عام 2020 الذي يضم معرض إكسبو 2020، لتصل النسبة إلى 3.3 بالمائة من التراجع مع نهاية عام 2021.

مع هذه التوقعات تكون الأسعار قد تراجعت بحوالي النصف تقريبًا عما كانت عليه سابقا، إذا ما اضفنا إليها الهبوط الكبير الذي ضغط على الأسواق حتى منتصف عام 2014 والذي شكل 25 بالمائة من التراجع.

إلا ان تشكيل اللجنة يظهر نوع من التغير في سياسات الإمارة التي طالما اعتمدت على تدخل محدود للغاية في الأنشطة الاقتصادية، وتشجيع أكبر للتنافسية بين الشركات في مختلف القطاعات، وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول دور واهداف اللجنة المقبلة؟!.

 يضاف إلى ذلك المفاجأة التي فجرها محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة إعمار العقارية، عندما قال ان شركته لم تكن على دراية بتشكيل اللجنة وانهم سيكونون جزء منها.

وأضاف العبار في حديث للصحفيين، انه علم بتشكيل اللجنة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، نافيًا ان يكون هنالك خطط لتقليل نشاط الشركة او قرار بـ إيقاف لأي من مشاريعها التي تعمل عليها.

وكانت شركة إعمار التي تعتبر واحدة من أضخم شركات التطوير العقاري في البلاد، قد ساهمت لفترة طويلة من الزمن في تنفيذ مشاريع ضخمة في البلاد، كان منها بناء برج خليفة في دبي، الذي يعتبر أطول الأبراج في العالم، فيما دخلت الشركة في تفاهمات ومشاريع مشتركة مع مؤسسات وكيانات شبه حكومية لتنفيذ مشاريع حديثة.

وتم تعين شركة إعمار كعضو في لجنة التخطيط العقاري الحكومية إلى جانب مجموعة من الشركات الأخرى، وعلى الرغم من أن مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية تمتلك 30 بالمائة من شركة إعمار، إلا أن الأخيرة وبحسب تصريحات رئيس مجلس إدارتها لم تكن جزء من الخطط الحكومية في هذا الصدد.

في سياق متصل كشفت صحيفة الاتحاد الإماراتية ان شركة إعمار لن تتجه نحو تغير استراتيجيتها او تقليل مشاريعها، وذكرت الصحيفة ان رئيس مجلس إدارة الشركة، محمد العبار قد تعهد في تصريح صحفي خاص، بمواصلة تنفيذ المشاريع بما يضمن حقوق ومصالح المساهمين والعملاء على نحو متساوي.

اقتصاد دبي نحو التراجع

 لا يختلف حال سوق العقارات في الإمارات العربية المتحدة وإمارة دبي خصوصًا عن باقي الأسواق العالمية، لأن الاستثمار العقاري في السنة الماضية والحالية كان قد تأثر بشدة بسبب الحرب التجارية التي تدور بين الولايات المتحدة الامريكية والصين. ففي استطلاع آراء مشابه قامت به رويترز ظهر ان نشاط السوق العقاري (الإسكان) في كلًا من الولايات المتحدة وبريطانيا والهند وكندا واجه الكثير من الصعوبات.

يضاف إلى الأسباب الدولية ايضًا، حالة القلق من تضرر النمو العالمي والتهديدات المتبادلة للحرب مع إيران على خلفية انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات عليها، ما انسحب سريًعا على أسواق الطاقة وامدادات النفط في منطقة الخليج العربي.

وبدورها توقعت وكالة التصنيف الائتماني “ستاندارد أند بورز” أن يتواصل التباطؤ في اقتصاد إمارة دبي الذي بدأ منذ عام 2014 حتى نهاية عام 2022، حيث تتأثر الإمارة بتراجع عائدات السياحة، وهبوط سوق العقارات، وارتفاع قيمة الدين العام ليصل إلى 108 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يعادل 123 مليار دولار امريكي.

ففي العام الماضي سجلت نسبة النمو في دبي 1.94 بالمائة فقط، وهي النسبة الأقل منذ الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد عام 2009، فيما تتوقع الحكومة نمو قطاع السياحة والخدمات السياحية بواقع 3.8 بالمائة و2.8 بالمائة على التوالي خلال عامي 2020 و2021، دون ان ننسى ان تلك التوقعات تعتمد على عوامل استثنائية مثل معرض اكسبو في العام القادم.

التخمة في المعروض

على الرغم من الاستنفار الحكومي والخطط الجديدة التي تتضمن حزمة تحفيز لقطاع العقارات صدرت في الآونة الأخيرة، إلا أن احتمالات ان تتلاشى تلك المحفزات يبقى قائمًا، بسبب فائض المعروض من العقارات السكنية، وقوانين العرض والطلب التي تؤثر على الأسعار.

فخلال العامين الماضيين، ظهرت تخمة في الأسواق، اضيف إليها ارتفاع قياسي في مشاريع البيع على الخريطة منذ عام 2017، تلك المشاريع أعطت المستثمر ميزات ضخمة وجذابة في نطاق التمويل والدفعات تستمر لسنوات حتى بعد انتهاء وتسليم المشروع، هذا أثر قطعًا في القيم الرأسمالية للعقارات في دبي.

لكن الأمور حاليًا تمتلك بعض الإيجابيات، حيث يعتقد بعض المختصين في الشأن العقاري ان تراجع الأسعار مفيدًا بعد حالات التضخم التي اصابت العقارات في عموم البلاد، كما سيسمح المعروض الجديد في تخفيضات أكبر، وهو ما يعني تحسن في القدرة الشرائية للمقيمين هناك، وهذا هو الأساس في تطور السوق، الذي يحتاج لأشخاص يقدرون على شراء العقارات وتحمل تكاليف الإسكان.

الجدير بالذكر ان قدرة المستهلك على شراء العقار تعتبر الدافع الأول في نشاط شركات التطوير العقاري، والتي تحاج للمستهلك القادر على الشراء قبل الشروع في تنفيذ المشاريع او الإعلان عنها.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة