لم تعد الروبوتات بعيدة من هنا، بل هي ألصق ما يكون بحياتنا، بدءاً من فراش الزوجية وانتهاءً بمرافق الحياة على اختلاف أنواعها، حيث طال التقدم الضخم أنظمة التشغيل الخاصة بالروبوتات ، مما جعلها تدخل مؤخراً حيّز الحياة الجنسية والقدرة على بناء حيثية تفاعلية مع الإنسان، وقد صرح ديفيد هانسون مصنّع الروبوت صوفي قبل عام أن عام 2045 سيحمل معه تطوات عديدة في مجال الذكاء الصنعي، حيث سيقوم الأشخاص بالارتباط رسمياً من الروبوتات وسيصل الأمر إلى أن تطالب هذه الآلات الذكية بحقوقها المدنية.

وقد حقق الجيل الرابع من الروبوتات قفزات سبقت بكثير الأجيال السابقة منها، وقد طرحت في ذلك السينما الأمريكية عام 2013 فيلماً بعنوان “هي” يمزج ما بين الرومانسية وما بين الخيال العلمي، حيث سرد الفيلم قصة ثيودور الذي يغرم بمساعدة افتراضية تدعى سامانتا، قام بشرائها تعويضاً عن نقصه العاطفي الناجم عن انفصاله عن حبيبته كاثرين.

أما سامانتا فهي عبارة عن نظام تشغيل يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي تكيفت مع البطل ثيودور ، وتعرفت على تفاصيل حياته وخيباته العاطفية، ثم ليبدأ بعد ذلك فصل جديد من علاقتهما أخذت شكل اتصال حميمي لفظي، وهو ما انعكس على المشاهدين بشكل واقعي خالٍ من شوائب اللقاء العاطفي بين إنسان وآلة ذكية، ولكن إلى مدى ستصل هذه العلاقات الجنسية بين الروبوتات والإنسان في ضوء التقدم التكنولوجي المذهل.

ما مستقبل العلاقات الجنسية بين الروبوتات والإنسان ؟

لعل فيلم “هي” هو واحد من المؤثرات التي دفعت الناقدين للبحث عن مستقبل العلاقات الجنسية ومستقبل الروبوتات في ضوء التقدم التكنولوجي، حيث شهدت السنوات العشر الماضية ظهور نماذج من الروبوتات الجنسية الآخذة بالتطور على شكل مذهل، ومنها توقع الخبراء أن تصبح الآلة قادرة على التفاعل بشدة مع الإنسان وبأدق التفاصيل منها اشتقاق أحاديث عاطفية وإدراك آلام الإنسان وصولاً إلى أن تشعر بالسعادة والخيبة، ومستقبلاً قد تضيف هذه التكنولوجيا تحولات على الممارسات العاطفية المستقبلية، لأنها بمثابة انحراف عما هو معتاد في الحقل الجنسي للإنسان.

الإنسان وإشباع الآلة

بالعودة إلى الإنسان وهو الطرف الحيوي في علاقته مع الروبوت لابد أن نعرف هل يشعر بارتياح واكتفاء عند اتصاله بهذه الآلة أم ماذا؟

والجواب – بلا عجب- هو ما أظهرته دراسات كثيرة عام 2018 أجريت مع أشخاص حول العالم كانوا قد عبروا عن ارتياحهم واكتفائهم بعد الاتصال الجنسي مع الروبوتات، حتى إنهم يفضلون الآلات كشريك عاطفي بدلاً من الإنسان، حيث يتطلب تحويل الاتصال الجسدي بين طرفين إلى عملية حقيقية إلى تفعيل آلية المتعة والتواصل والعاطفة بينهما، وقد بدأت الروبوتات فعلياً بتوفيره بشكل بسيط قابل للتطور في المستقبل، كما أنها اجتازت مراحل خطيرة جعلتها تصبح نموذجاً جيداً في تقديم الخدمات العاطفية.

روبوتات القرن الحالي والمتعة

لم تكن الدفعة الأولى من الروبوتات الجنسية لافتة للنظر من حيث أدائها وتفاعلها، وذلك في بداية ثمانينات القرن الماضي حيث كانت مخصصة للذكور، وفي القرن الماضي كانت الروبوتات عبارة عن أنثى بجسد ميت، وكانت الروبوتات مكاناً لتفريغ شحنات الأفعال السادية والمنحرفة بالنسبة للذكور، ولكن هذا النوع مالبث أن خرج عن الخدمة وحل مكانه فضاء جنساني رقمي مختلف وبإطار تسويقي جديد.

أما الروبوتات التي ظهرت مطلع القرن الحالي فقد كانت نموذج بدائي عن الإنسان، وتمكنت من بث متعة نسبية لدى النساء والرجال ممن يستهوون العيش في العالم الرقمي.

روبوتات للنساء أيضاً

لا تقدم الروبوتات الجنسية خدماتها للرجال وحسب بل هي أيضاً للنساء، حيث تقدم إليهن خدمات عاطفية، تجعلهن يشعرن بالارتياح والأمان، وهذا الأمر بدوره أدى إلى حدوث حالة من التناحر عبر الفضاء الجنسي الرقمي السائد حالياً بین الذكور والإناث، حيث خاضت النساء حملة إعلامیة تقول إن الرجل كائن عنيف یجب التخلص من سطوته، ما دفع بعض النساء إلى تفضيل أن یكون شریكهن روبوت على أن يكون شریكاً بیولوجياً، حيث وفر هذا الفضاء للأنثى قدرة كاملة على التحكم بشریكها الآلة، كما وفّر للرجل مكانًا سريًا یتصرف فیه بكامل فوقیته.

النسخة الأحدث من الروبوتات

تعد شركة “علي بابا” الصينية أكبر بائع للروبوتات الحديثة، حيث يتجاوز سعر الأنواع المتطورة منها  سعر الخمسة آلاف دولار، وتشهد هذه الروبوتات الحديثة تغييراً جذرياً، شمل تحميلها بأنظمة تشغيل، وهي مرفقة ببنية جسدية تتحرك وبأجهزة استشعار حرارية، بالإضافة إلى خوارزميات إباحية ، كما وتعمل آلة التعلم الذاتي لدیها على التكیّف مع شریكها البیولوجي، وتيسير تكیّف الأخیر معها.

ومن الشعارات الكبرى التي حملها هذا العام أن “الروبوت صدیق الإنسان”حيث ستشمل الصداقة الحیاة الخاصة للأفراد بالإضافة إلى تثبیت زمالتها في میدان العمل.

أصدقاء ولكن

لا يبدو أن هذه الروبوتات التي تغزو عالمنا مؤخراً هي من النوع الصديق للإنسان نظراً لما تحمله معها من مخاطر تمت دراستها وتسليط الضوء عليها، ومنها ما نشره مركز الأبحاث أواخر عام 2017 “علاج الجنسانية والعلاقات العاطفية” عن الشريحة البشرية التي باتت تستهوي الآلات كشريك عاطفي حيث توقعت أن ينقسم البشر في ذلك إلى فئتين الأولى الفئة التي ستتخلى عن الشريك البيولوجي، والثانية ستمتلك میولًا مزدوجة في علاقاتها العاطفیة، واحدة نحو الكائن البیولوجي وأخرى نحو الآلة.

كما بات يظهر مؤخراً لقب “الجنسانيون الرقميون” وهو ما يطلق على الفئة التي تفضل الآلة كشريك عاطفي، إلى جانب الشريحة التي تشبع رغباتها من خلال المواقع الإباحیة، أو عبر إقامة علاقات عن بُعد مع أشخاص بیولوجیین عبر الإنترنت، بینما الجماعة الجنسانیة الجدیدة الأخذة بالنشوء فهي الأكثر غرابة لأن عددًا مهمًا ممن أجروا مؤخراً تجارب حمیمة في هذا المضمار، بدت علیهم سمات “الهوس الرقمي”، ویرغبون بالانغماس أكثر في علاقات عاطفیة مع الروبوتات.

تجدر الإشارة إلى أن فئة من المتفاعلين مع الروبوتات والمفضلين لها، قد ناشدوا الأمم المتحدة لتشريع العلاقات العاطفية مع الروبوتات، ويمكن حصر هذه الشريحة بالمهوسة بمتابعة المواقع الإباحية والتي تظهر كرهاً للاتصال مع شركاء بیولوجیین، لذلك فمن المرجح أن تكون هذه الجماعة الأكثر قابلیة للترحال إلى فضاء جنساني مغایر توفره الروبوتات.

لا يمكن تخمين ما ستحمله الروبوتات الجنسية في جعبتها للأيام القادمة، وما يمكن أن تأتي به من فوضى وتبدل بنى أخلاقية وانحراف مسلكي وتغيرات قد يكون العالم مضطراً للتعامل معها مستقبلاً.

ملاحظة: الآراء الواردة في هذه المقالة هي اراء المؤلف نفسه ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر ألفكسو في هذه المسألة